الخطب المهمة لدعاة الأمة : دروس وعبر من قصة الأبرص والأقرع والأعمى

2015-01-08

اللجنة العلمية

دروس وعبر من قصة الأبرص والأقرع والأعمى

عناصر الخطبة

نص القصة

شرح الحديث وما يستفاد منه

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللَّهِ ﷺ يقَولُ: "إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَبرَصَ، وَأقرَعَ، وَأعْمَى، أرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكَاً، فَأَتَى الَأَبْرَصَ فَقَالَ: أيُّ شَيءٍ أحبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ. فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْنَاً حَسَنَاً. قَالَ: فَأيُّ الَمَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الِإبِلُ -أوْ قَالَ: البَقرُ شَكَّ الرَّاوِى-، فأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَراءَ، فَقَالَ: بَاركَ اللَّهُ لَكَ فِيْهَا. فَأتَى الأَقْرَعَ، فَقَالَ: أيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذِرَنِي النَّاسُ. فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأعْطِيَ شَعْرَاً حَسَنَاً. قَالَ: فَأيُّ المَاْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ. فَأعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلاً، وَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيْهَا. فَأَتَى، الأَعْمَى، فَقَالَ: أيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِليَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرُ النَّاسَ. فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِليْهِ بَصَرَهُ. قَالَ: أيُّ المَاْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فَأعْطيَ شَاْةٍ وَالِدَاً، فَأَنْتَجَ هَذَانِ، وَوَلَدَ هَذَا، فَكَاْنَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الِإبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ. ثُمَّ إِنَّهُ أتَى الأَبْرَصَ في صُوْرَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِيْنٌ، قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ، والجِلْدَ الحسَنَ، وَالمَالَ، بَعِيْراً أَتَبَلَّغُ بِهِ في سَفَرِي. فَقَاْلَ: الحُقُوْقُ كَثِيْرَةٌ. فَقَاْلَ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُ أَبْرَصَ يَقْذُرُكَ النَّاسُ، فَقِيْرَاً فَأعطَاكَ اللَّهُ؟! ، فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا المَاْلَ كَابِرَاً عَنْ كَاِبرٍ! ! فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبَاً فَصَيَّركَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنتَ.

وَأَتَى الأَقْرَعَ في صُوْرَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَال لَهُ مِثْلَ مَا قَال لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ هَذَا. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبَاً فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ.

وَأتى الأَعْمَى في صُوْرَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَاْلَ: رَجُلٌ مِسْكِيْنٌ وَابْنُ سَبِيْلٍ انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِى رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ، شَاْةً أَتَبَلَّغُ بِهَا في سَفَرىِ؟. فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِليَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ مَا أَجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّه عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيْتُمْ، فَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ". ([1])

شرح الحديث وما يستفاد منه:

قوله: (وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: أن ثلاثة من بني إسرائيل).

اعلم أن جميع القصص الواردة في القرآن وصحيح السنة ليس المقصود بها مجرد الخبر، بل يقصد منها العبرة والعظة مع ما تكسب النفس من الراحة والسرور، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف: 111].

قوله: (من بني إسرائيل) بنو إسرائيل هم ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.

يستفاد من هذا:

1- أن الرسولﷺ يقص علينا أنباء بني إسرائيل لأجل الاعتبار والاتعاظ بما جرى وهو أحد الأدلة لمن قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ولا شك أن هذه قاعدة صحيحة. ([2])

2- جَوَازُ ذِكْرِ مَا وقع لِمَنْ مَضَى  وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ غِيبَةً لهم وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَرْكِ تَسْمِيَتِهِمْ وَلَمْ يُفْصِحْ بِمَا اتَّفَقَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِمْ وَقَعَ كَمَا قَالَ الْمَلَكُ. ([3])

قوله: (أبرص) أي: في جلده برص، والبرص داء معروف، وهو من الأمراض المستعصية التي لا يمكن علاجها بالكلية، وربما توصلوا أخيرا إلى عدم انتشارها وتوسعها في الجلد، لكن رفعها لا يمكن، ولهذا جعلها الله آية لعيسى، قال تعالى: {وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي} [المائدة: 110].

يستفاد من هذا:

3- بيان قدرة الله - عز وجل - بإبراء الأبرص والأقرع والأعمى من هذه العيوب التي فيهم بمجرد مسح الملك لهم.

قوله: (فأراد الله) وفي بعض النسخ: (أراد الله). أي  إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أنعم الله عليهم فأراد الله أن يبتليهم.

قوله: (يبتليهم) أي: يختبرهم، كما قال الله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]، وقال تعالى: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل: 40].

يستفاد من هذا:

4- أن الله قد يبتلي بعض عباده ليتعظ الآخرين ويتعلموا من أخطائهم فلا يقعوا في مثل ما وقعوا فيه.

5- أن إرادة الله نوعان: كونية، وشرعية.

والفرق بينهما أن الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبا لله، فإذا أراد الله شيئا قال له كن فيكون.

وأما الشرعية: فإنه لا يلزم فيه وقوع المراد ويلزم أن يكون محبوبا لله، ولهذا نقول: الإرادة الشرعية بمعنى المحبة والكونية بمعنى المشيئة. ([4])

قوله: (ملكا) أحد الملائكة: هم عالم غيبي خلقهم الله من نور وجعلهم قائمين بطاعة الله، لا يأكلون، ولا يشربون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لهم أشكال وأعمال ووظائف مذكورة في الكتاب والسنة، ويجب الإيمان بهم، وهو أحد أركان الإيمان الستة.

يستفاد من هذا:

5- أن الملائكة يتشكلون حتى يكونوا على صورة البشر، لقوله: "فأتى الأبرص في صورته"، وكذلك الأقرع والأعمى لكن هذا - والله أعلم - ليس إليهم وإنما يتشكلون بأمر الله تعالى.

6- أن الملائكة أجسام وليسوا أرواحا أو معاني أو قوى فقط. ([5])

قَوْلُهُ: (قَذِرَنِي النَّاسُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيِ اشْمَأَزُّوا مِنْ رُؤْيَتِي، وكرهوا مخالطتي من أجله، وَفِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا الْكِرْمَانِيُّ قَذِرُونِي النَّاسُ وَهِيَ عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ.

 قَوْلُهُ: (فَمَسَحَهُ) أَيْ مَسَحَ عَلَى جِسْمِهِ، ليتبين أن لكل شيء سببا وبرئ بإذن الله تعالى.

قوله: (فذهب عنه قذره) بدأ بذهاب القذر قبل اللون الحسن والجلد الحسن؛ لأنه يبدأ بزوال المكروه قبل حصول المطلوب.

يستفاد من هذا:

7-  بيان قدرة الله وأنه لايعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

 قَوْلُهُ: (فَقَالَ وَأَيُّ الْمَالِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْوَاوِ.

 قَوْلُهُ: (الْإِبِلُ أَوْ قَالَ الْبَقَرُ) هُوَ شَكٌّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا الْإِبِلُ وَقَالَ الْآخَرُ الْبَقَرُ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ عَنْ هَمَّامٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الَّذِي شَكَّ فِي ذَلِكَ هُوَ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ، والظاهر أنه الإبل كما يفيده السياق.

يستفاد من هذا:

8- حرص الرواة  وأمانتهم في نقل الحديث بلفظه.

 قَوْلُهُ: (فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ) أَيِ الَّذِي تَمَنَّى الْإِبِلَ وَالْعُشَرَاءُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْملَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة مَعَ المد هى الْحَامِلُ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا فِي حَمْلِهَا عَشَرَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ طَرَقَهَا الْفَحْلُ وَقِيلَ يُقَالُ لَهَا ذَلِك إِلَى أَن تَلد وَبعد مَا تَضَعُ وَهِيَ مِنْ أَنْفَسِ الْمَالِ.

 قَوْلُهُ: (يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا) كَذَا وَقَعَ يُبَارَكُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ بَارَكَ اللَّهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي

وَإِبْرَازِ الْفَاعِلِ، معناه الدعاء له بالبركة.

يستفاد من هذا:

9- جواز الدعاء للغير بالبركة والنماء وكثرة الخير.

قوله: "فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن"  لم يكتف بمجرد الشعر، بل طلب شعرا حسنا.

قوله: "الذي قذرني الناس به" أي: القرع؛ لأنه كان أقرع كرهه الناس واستقذروه، وهذا يدل على أنهم كانوا لا يغطون رءوسهم بالعمائم ونحوها.

يستفاد من هذا:

10- أن الإنسان إذا كان في استطاعته أن يقدم خدمة للآخرين ينبغي عليه أن يسارع في ذلك.

قوله: "فأبصر به الناس"  لم يطلب بصرا حسنا كما طلبه صاحباه، وإنما طلب بصرا يبصر به الناس فقط، مما يدل على قناعته بالكفاية.

 قَوْلُهُ: (فَمَسَحَهُ) أَيْ مَسَحَ عَلَى عَيْنَيْهِ.

قوله: (قال: الغنم)  هذا يدل على زهده كما يدل على أنه صاحب سكينة وتواضع؛ لأن السكينة في أصحاب الغنم.

قَوْلُهُ: (شَاةً وَالِدًا) أَيْ ذَاتَ وَلَدٍ وَيُقَالُ حَامِلٌ، وقيل: إن المعنى قريبة الولادة، ويؤيده أن صاحبيه أعطيا أنثى حاملا.

 قَوْلُهُ: (فَأَنْتَجَ هَذَانِ) أَيْ صَاحِبُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَوَلَّدَ هَذَا أَيْ صَاحِبُ الشَّاةِ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَأَنْتَجَ فِي مِثْلِ هَذَا شَاذٌّ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ نُتِجَتِ النَّاقَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَنَتَجَ الرَّجُلُ النَّاقَةَ أَيْ حَمَلَ عَلَيْهَا الْفَحْلَ وَقَدْ سُمِعَ أَنْتَجَتِ الْفَرَسُ إِذَا وَلَدَتْ فَهِيَ نَتُوجٌ.

والأصل في اللغة في مادة (نتج)  أنها مبنية للمجهول، والإشارة إلى، صاحب الإبل والبقر، و (أنتج)، أي: حصل لهما نتاج الإبل والبقر.

قوله: (وولد هذا) أي: صار لشاته أولاداً.

قوله: "فكان لهذا واد من الإبل"  مقتضى السياق أن يقول: فكان لذلك؛ لأنه أبعد المذكورين، لكنه استعمل الإشارة للقريب في مكان البعيد، وهذا جائز، وكذا العكس.

يستفاد من هذا:

11- أن بركة الله لا نهاية لها، ولهذا كان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.

 قَوْلُهُ: (ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ) أَيْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ وَهُوَ أَبْرَصُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.

وقيل: الصورة في الجسم، والهيئة في الشكل واللباس، وهذا الفرق بينهما.

يستفاد من هذا:

12- أن التذكير قد يكون بالأقوال أو الأفعال أو الهيئات.

13- جواز التمثيل، وهو أن يتمثل الإنسان بحال ليس هو عليها في الحقيقة، مثل أن يأتي بصورة مسكين وهو غني وما أشبه ذلك إذا كان فيه مصلحة وأراد أن يختبر إنسانا بمثل هذا، فله ذلك.

 قَوْله: (رجل مِسْكين) وفي رواية (وابن سَبِيلٍ تَقَطَّعَتْ بِهِ الْحِبَالُ فِي سَفَرِهِ) وَالْحِبَالُ جَمْعُ حَبْلٍ أَيِ الْأَسْبَابُ الَّتِي يَقْطَعُهَا فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَقِيلَ الْعَقَبَاتُ وَقِيلَ الْحَبْلُ هُوَ الْمُسْتَطِيلُ مِنَ الرَّمْلِ والْحِيَالُ جَمْعُ حِيلَةٍ أَيْ لَمْ يَبْقَ لِي حِيلَةٌ ولبعض رُوَاة البُخَارِيّ الْجبَال وَهُوَ تَصْحِيف، قَالَ ابن التِّينِ قَوْلُ الْمَلَكِ لَهُ رَجُلٌ مِسْكِينٌ إِلَخْ أَرَادَ أَنَّكَ كُنْتَ هَكَذَا وَهُوَ مِنَ الْمَعَارِيضِ وَالْمُرَادُ بِهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ لِيَتَيَقَّظَ الْمُخَاطَبُ.

قوله: (وابن سبيل)  أي: مسافر سمي بذلك لملازمته للطريق، ولهذا سمي طير الماء ابن الماء لملازمته له غالبا، فكل شيء يلازم شيئا فإنه يصح أن يضاف إليه بلفظ البنوة.

قوله: "انقطعت بي الحبال في سفري"  الحبال الأسباب، فالحبل يطلق على السبب وبالعكس، قال تعالى: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ} [الحج: 15]، ولأن الحبل سبب يتوصل به الإنسان إلى مقصوده كالرشاء يتوصل به الإنسان إلى الماء الذي في البئر.

قوله: "فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك"  يعنى: لا شيء يوصلني إلى أهلي إلا بالله ثم بك، فالمسألة فيها ضرورة.

قوله: "أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن"  السؤال هنا ليس سؤال استخبار بل سؤال استجداء؛ لأن (سأل) تأتي بمعنى استجدى وبمعنى استخبر، تقول: سألته عن فلان، أي: استخبرته وسألته مالا، أي: استجديته واستعطيته، وإنما قال: "أسألك بالذي أعطاك"، ولم يقل: أسألك بالله؛ لأجل أن يذكره بنعمة الله عليه، ففيه إغراء له على الإعانة لهذا المسكين؛ لأنه جمع بين أمرين: كونه مسكينا، وكونه ابن سبيل، ففيه سببان يقتضيان الإعطاء.

قوله: (بعيرا)  يدل على أن الأبرص أعطي الإبل.

يستفاد من هذا:

14- أنه يجوز للإنسان أن ينسب لنفسه شيئا لم يكن فيه من أجل الاختبار، لقول الملك: إنه فقير وابن سبيل.

 قَوْلُهُ: (أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ أَتَبَلَّغُ بِهِ وَأَتَبَلَّغُ مِنَ الْبُلْغَةِ وَهِيَ الْكِفَايَةُ وَالْمَعْنَى أَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُرَادِي.

وقيل: أي: ليس أطيب الإبل وإنما يوصلني إلى أهلي فقط.

قوله: "الحقوق كثيرة"  أي: هذا المال الذي عندي متعلق به حقوق كثيرة، ليس من حقك أنت فقط، وتناسى - والعياذ بالله - أن الله هو الذي من عليه بالجلد الحسن واللون الحسن والمال.

قوله: "كأني أعرفك"  كأن هناك للتحقيق لا للتشبيه؛ والمعنى: أني أعرفك معرفة تامة. ([6])

قوله: "ألم تكن أبرص يقذرك الناس" ذكره الملك بنعمة الله عليه، وعرفه بما فيه من العيب السابق حتى يعرف قدر النعمة، والاستفهام للتقرير لدخوله على (لم)، كقوله تعالى: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1].

 قَوْلُهُ: (لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ) فِي رِوَايَةِ (كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ) وَفِي رِوَايَةِ (إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ)أَيْ كَبِيرٍ عَنْ كَبِيرٍ فِي الْعِزِّ وَالشَّرَفِ.

فنظر كيف  أنكر أن المال من الله، لكنه لم يستطع أن ينكر البرص.

يستفاد من هذا:

15- ثبوت الإرث في الأمم السابقة، لقوله: "ورثته كابرا عن كابر".

 قَوْلُهُ: (فَقَالَ إِنْ كُنْتَكَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ) أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِ.

وقيل  (إن): شرطية ولها مقابل، يعني: وإن كنت صادقا فأبقى الله عليك النعمة. ([7])

قوله: "فصيرك الله إلى ما كنت عليه" أي: ردك الله إلى ما كنت عليه من القرع الذي يقذرك الناس به والفقر.

يستفاد من هذا:

16- جواز الدعاء المعلق، لقوله: "إن كنت كاذبا، فصيرك الله إلى ما كنت"، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور: 7]، {وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 9] وفي دعاء الاستخارة " اللهم إن كنت تعلم. . . إلخ ".

17- جواز التنزل مع الخصم فيما لا يقر به الخصم المتنزل لأجل إفحام الخصم؛ لأن الملك يعلم أنه كاذب، ولكن بناء على قوله: إن هذا ما حصل، وإن المال ورثه كابرا عن كابر، وقد سبق بيان وروده في القرآن، ومنه أيضا قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] ومعلوم أن الرسول ﷺ وأصحابه على هدى وأولئك على ضلال، ولكن هذا من باب التنزل معهم من باب العدل.

قوله: "فرد الله علي بصري" أي اعترف بنعمة الله، وهذا أحد أركان الشكر، والركن الثاني: العمل بالجوارح في طاعة المنعم، والركن الثالث: الاعتراف بالنعمة في القلب.

قوله: "خذ ما شئت ودع ما شئت"  هذا من باب الشكر بالجوارح، فيكون هذا الأعمى قد أتم أركان الشكر.

 قَوْلُهُ: (لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ) الْمَعْنَى لَا أَحْمَدُكَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَالِي وفي رواية(لَا أُجْهِدُكَ) أَيْ لَا أَشُقُّ عَلَيْكَ فِي رَدِّ شَيْءٍ تَطْلُبُهُ مِنِّي أَوْ تَأْخُذُهُ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أُحَمِّدُكَ، أَيْ لَا أَطْلُبُ مِنْكَ الْحَمْدَ مِنْ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ يَتَحَمَّدُ عَلَى فُلَانٍ أَيْ يَمْتَنُّ عَلَيْهِ أَيْ لَا أَمْتَنُّ عَلَيْكَ.

وقيل: الجهد المشقة، والمعنى: لا أشق عليكم بمنع ولا منة، واعترافه بلسانه مطابق لما في قلبه، فيكون دالا على الشكر بالقلب.

قوله: ( لله )اللام للاختصاص، والمعنى لأجل الله، وهذا ظاهر في إخلاصه لله، فكل ما تأخذه لله فأنا لا أمنعك منه ولا أردك.

يستفاد من هذا:

18- بيان أن شكر كل نعمة بحسبها، فشكر نعمة المال أن يبذل في سبيل الله، وشكر نعمة العلم أن يبذل لمن سأله بلسان الحال أو المقال، والشكر الأعم أن يقوم بطاعة المنعم في كل شيء.

19- فضيلة الورع والزهد، وأنه قد يجر صاحبه إلى ما تحمد عقباه؛ لأن الأعمى كان زاهدا في الدنيا، فكان شاكرا لنعمة الله.

 قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ) أَيِ امْتُحِنْتُمْ، اختبرتم، والذي ابتلاهم هو الله تعالى.

يستفاد من هذا:

20- أن الابتلاء قد يكون عاما وظاهراً.

 قَوْلُهُ: (فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ فِي رَضِيَ وَسَخِطَ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا مُحَصَّلُهُ كَانَ مِزَاجُ الْأَعْمَى أَصَحُّ مِنْ مِزَاجِ رَفِيقَيْهِ لِأَنَّ الْبَرَصَ مَرَضٌ يَحْصُلُ مِنْ فَسَادِ الْمِزَاجِ وَخَلَلِ الطَّبِيعَةِ وَكَذَلِكَ الْقَرَعُ بِخِلَافِ الْعَمَى فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ فَلِهَذَا حَسُنَتْ طِبَاعُ الْأَعْمَى وَسَاءَتْ طِبَاعُ الْآخَرَيْنِ. ([8])

وقيل: يعني: لأنك شكرت نعمة الله بالقلب، واللسان والجوارح، فلذلك رضي عنك.

قوله: "وسخط على صاحبيك"  لأنهما كفرا نعمة الله - سبحانه، وأنكرا أن يكون الله منَّ عليهما بالشفاء والمال.

يستفاد من هذا:

21- أن هذه القصة كانت معروفة مشهورة، لقوله: "فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك"

22- أن من صفات الله - عز وجل - الرضا والسخط والإرادة، وأهل السنة والجماعة يثبتونها على المعنى اللائق بالله على أنها حقيقة. ([9])، ([10])

ومن جملة الفوائد أيضاً:

1-  التَّحْذِيرُ مِنْ كُفْرَانِ النِّعَمِ وَالتَّرْغِيبُ فِي شُكْرِهَا وَالِاعْتِرَافُ بِهَا وَحَمْدُ اللَّهِ عَلَيْهَا.

 2-  فَضْلُ الصَّدَقَةِ وَالْحَثُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالضُّعَفَاءِ وَإِكْرَامُهُمْ وَتَبْلِيغُهُمْ مَآرِبَهُمْ.

3-  الزَّجْرُ عَنِ الْبُخْلِ لِأَنَّهُ حَمَلَ صَاحِبَهُ عَلَى الْكَذِبِ وَعَلَى جَحْدِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. ([11])

والحمد لله رب العالمين



([1]) أخرجه البخاري (3464)، و مسلم (4/ 2275) رقم (2964) وغيرهما.

([2]) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (10/ 882: 869).

([3]) فتح الباري لابن حجر (6/ 502: 503).

([4]) يقول ابن عثيميين رحمه الله (فإن قيل: هل الله يريد الخير والشر كونا أو شرعا؟

أجيب: إن الخير إذا وقع، فهو مراد لله كونا وشرعا، وإذا لم يقع، فهو مراد لله شرعا فقط، وأما الشر فإذا وقع، فهو مراد لله كونا لا شرعا وإذا لم يقع، فهو غير مراد كونا ولا شرعا، واعلم أن الشر لا ينسب إلى فعل الله - سبحانه - ولكن إلى مخلوقات الله، فكل فعل الله تعالى خير؛ لأنه صادر عن حكمة ورحمة، ولهذا قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك» وأما مخلوقات الله، ففيها خير وشر).

([5]) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (10/ 882: 869).

([6]) قال ابن عثيميين(لأنها أي الكاف إذا دخلت على جامد فهي للتشبيه، وإذا دخلت على مشتق فهي للتحقيق أو للظن والحسبان).

([7]) قال ابن عثيميين(فإن قيل: كيف يأتي بـ (إن) الشرطية الدالة على الاحتمال مع أنه يعرف أنه كاذب؟

أجيب: إن هذا من باب التنزل مع الخصم، والمعنى: إن كنت كما ذكرت عن نفسك، فأبقى الله عليك هذه النعمة، وإن كنت كاذبا وأنك لم ترثه كابرا عن كابر، فصيرك الله إلى ما كنت من البرص والفقر، ولم يقل: (إلى ما أقول)؛ لأنه كان على ذلك بلا شك.

والتنزل مع الخصم يرد كثيرا في الأمور المتيقنة، كقوله تعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59]

ومعلوم أنه لا نسبة، وأن الله خير مما يشركون، ولكن هذا من باب محاجة الخصم لإدحاض حجته).

([8]) فتح الباري لابن حجر (6/ 502: 503).

([9]) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (10/ 882: 869).

([10]) وانظر إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/ 515)، شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1533)، وشرح كتاب التوحيد لابن عثيميين وكذا شرح رياض الصالحين له.

([11]) فتح الباري لابن حجر (6/ 502: 503).

عدد المشاهدات 5728