مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

2012-07-18

زكريا حسينى

مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه

الحمد لله رب العالمين، نحمده مدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:

عن عمرو بنِ وهبٍ الثَّفَيِّ قال: كنا مع المغيرةِ بن شعبةَ رضي اللَّـهُ عنه، فَسُئِلُ: هل أَمَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أحدٌ من هذه الأمة غيرُ أبي بكر رضي الله عنه؟ فقال: نعم، كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ، فلما كان من السَّحَرِ، ضَرَبَ عنقَ راحلتي، فظننتُ أنَّ لَهُ حاجةً فَعَدَلْتُ معه، فانطلقنا حتى بَرَزْنَا عن الناسِ، فَنَزَلَ عن راحلته، ثم انطلق فَتَغَيَّبَ عني حتى ما أَرَاهُ، فمكثُ طويلاً، ثم جاءَ فقال: (حَاجَتَكَ يا مُغِيرَةُ؟) قلتُ: ما لي حاجةٌ، فقال: (هل معكَ ماءٌ؟) فقلت: نعم، فقمتُ إلى قربة أو إلى سَطِيحةٍ مُعَلَّقَةٍ في آخِرَةِ الرَّحْلِ، فأتيتُهُ بماءٍ، فَصَبَبْتُ عليه، فَغَسَلَ يَدَيْه، فأحْسَنَ غَسْلَهُمَا- قال: وأشُكُّ أو قال: دَلَكَهُمَا بِتُرَابٍ أَمْ لاَ. ثم غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُم ذَهَبَ يَحْسُرُ عن يَدَيْهِ، وعليه جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الكُمَّيْنِ، فَضَاقَتْ، فأخرجَ يديه مِنْ تَحْتِها إخراجًا، فغسل وَجْهَهُ وَيَدَيْه، ثم مَسَحَ بناصِيَتِه، ومسحَ على العِمَامَةِ، ومسحَ على الخُفَّيْنِ، وَرَكِبْنَا فأدْرَكْنَا النَّاسَ وقد أُقِيمت الصلاةُ، فَتَقَدَّمَهُمْ عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، وقد صَلَّى بِهْم ركعةً وَهَمَّ في الثَّانِيَةِ، فَذَهَبْتُ أَوُذِنُهُ، فَنَهَانِي رسولُ اللَّـه صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّيْنَا الركعةَ التي أَدْرَكْنَا، ومَضَيْنَا الركعة التي سُبِقْنَا. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَحْسَنْتُمْ، أَوْ أَصَبْتُمْ).

هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في المسند بالأرقام (18134، 18141، 18145، 18150، 18156، 18157، 18159، 18160، 18161، 18170، 18171، 18172، 18175، 18190، 18193، 18194، 18195، 18196، 18197، 18206، 18220، 18225، 18226، 18228، 18229، 18234، 18235، 18239، 18242-.

كما أخرجه الإما مسلم مختصرًا في كتاب الطهارة باب (المسح على الناصية والعمامة) برقم (274/81)، وأخرجه كذلك الإمام أبو داود في كتاب الطهارة باب المسح على الخفين برقم (149)، وأخرجه أيضًا الإمام النسائي في كتاب الطهارة باب كيف المسح على العمامة برقم (109)، وأخرجه الإمام ابن ماجه في أبواب إقامة الصلوات باب ما جاء في صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف رجل من أمته برقم (1236).

أولاً: ترجمة عبد الرحمن بن عوف

هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري، كنيته أبو محمد، كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، وقيل: عبد الكعبة، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم: (عبد الرحمن)، وأمه الشفاء بنت عوف بن عبد بن الحارث بن الحارث بن زهرة.

ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وكان أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر رضي الله عنه، وكان من المهاجرين الأولين، ممن هاجروا الهجرتين؛ هجرة الحبشة وهجرة المدينة، وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع، فعرض عليه سعد بن الربيع أن يشاطره ماله وأهله، فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في أهلك ومالك، دلوني على السوق، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين أخبر عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وهو راضٍ عنهم.

شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا وأُحدًا والمشاهد كلها، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دومة الجندل إلى (كَلْبٍ)، وعممه بيده صلى الله عليه وسلم وسدل العمامة - أي طرفها - بين كتفيه، وقال: (وإن فتح الله عليك فتزوج ابنة ملكهم - أو قال شريفهم-)، وكان الأَصْبَغُ بْنُ ثَعْلَبة بْنِ ضَمضم الكلبي شريفهم، فتزوج ابنته....... بنت الأصبغ، فولدت له أبا سلمة بن عبد الرحمن الفقيه.

ولقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في سفرة، وجرح رضي الله عنه يوم أُحد إحدى وعشرين جراحة، وجرح في رجله فكان يعرج منها، وسقطت ثَنِيتَاه فكان أهتم.

قال ابن الأثير في (أسد الغابة): وكان عظيم التجارة مجدودًا فيها، كثير المال. قيل: إنه دخل على أم سلمة رضي الله عنها فقال: أ أُمَّهْ، قد خفت أن يهلكني كثرة مالي. قالت: (يا بني أنفق).

ولما ذهب إلى السوق بعد أن عرض عليه سعد بن الربيع رضي الله عنه أن يشاطره ماله وأهله، جاء من السوق بسمن وأقط واستمر على ذلك فجمع مالاً كثيرًا فتزوج، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فرأى عليه أثر صفرة فقال: (مَهْيَمْ يا عبد الرحمن؟) قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار. قال: (ما سقت إليها؟) قال: نواة من ذهب أو وزن نواة من ذهب. قال: (بارك الله لك، أولم ولو بشاة). فبسبب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له بارك الله عز وجل له في تجارته حتى أصبح كما قال عن نفسه: إني لأكثر قريش مالاً.

وعن الزهري قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشَطْر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفًا، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة.

وروى ابن الأثير في أسد الغابة بسنده إلى سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عبد الرحمن أُتِي بطعام، وكان صائمًا، فقال: قُتِلَ مصعب بن عمير، وهو خير مني فكفُنِّ في بردته، إن غُطِيَ رأسه بدت رجلاه، وإن غُطِّيَ رجلاه بد رأسه، وأُرَاهُ قال: وقُتِلَ حمزةُ وهو خير مني - ثم بُسِطَ لنا من الدنيا ما بُسِطَ - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا. وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.

وروى عن الزهري قال: أوصى عبد الرحمن لمن بقي ممن شهد بدرًا، لكل رجل أربعمائة دينار، وكانوا مائة فأخذوها، وأخذ عثمان فيمن أخذ، وروي أيضًا أن عليًا أخذها فيمن أخذ، وأوصى - أي عبد الرحمن - بألف فرس في سبيل الله.

قال: ولما مات قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (اذهب يا ابن عوف قد أدركت صفوها، وسبقت رَنَقَها) أي: كَدَرَهَا. وكان سعد بن أبي وقاص فيمن حمل جنازته وهو يقول: وَاجَبَلَاه. وقد خلف مالاً عظيمًا من ذلك: ذهب قطع بالفئوس حتى عجلت أيدي الرجال منه، وترك ألف بعير ومائة فرس وثلاثة آلاف شاة ترعى بالبقيع، وكان له أربع نسوة، صولحت امرأة منهن بثمانين ألفًا.

وروى عن قتادة في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ} (التوبة: 79). قال: تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله أربعة آلاف دينار. فقال أناس من المنافقين: إن عبد الرحمن لعظيم الرياء. أي فأنزل الله تعالى هذه. والله أعلم.

وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالدٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوا لي أصحابي، أو أصيحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحد ذهبًا لم يدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه). وأخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بدون ذكر القصة. وأخرجه الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله عنه.

وذكر الذهبي عن ابن أبي أوفى قال: شكا عبد الرحمن بن عوف خالدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا خالد، لا تؤذ رجلاً من أهل بدر، فلو أنفقت مثل أُحد ذهبًا لم تدرك عمله)، قال: يقعون فيَّ فأرادُّ عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تؤذوا خالدًا، فإنه سيف من سيوف الله، صَبَّهُ الله على الكفار). ثم قال الذهبي: مرسل.

وساق الذهبي عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مُجَمِّع أن عمر رضي الله عنه قال لأم كلثوم بنت عقبة، امرأة عبد الرحمن بن عوف: أقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انكحي سيدا المسلمين عبد الرحمن بن عوف؟) قالت: نعم. وساق من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطًا فيهم عبد الرحمن بن عوف، فلم يعطه، فخرج يبكي، فلقيه عمر فقال: ما يبكيك ؟ فذكر له، وقال: أخشى أن يكون منعه مَوْحِدَةُ وُحَدَهَا عَليَّ، فأبلغ عمر رضي الله عنه فقال: (لكنِّي وَكَلْتُهُ إِلى إيمانه).

وروى الذهبي أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خياركم خياركم لنسائي). فأوصى لَهُنَّ عبد الرحمن بحديقة قومت بأربعمائة ألف.

وقال الإمام الذهبي رحمه الله: ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزله نفسه عن الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان رضي الله عنه، ولو كان محابيًا فيها لأخذها لنفسه، أَوْ لَوَلاَّهَا ابْنَ عَمِّهِ وأقربَ الجماعة إلى سعدَ بن أبي وقاص رضي الله عنه.

وساق عن سعيد بن المسيب أن سعد بن أبي وقاص أرسل إلى عبد الرحمن رجلاً وهو قائم يخطب: أن ارفع رأسك إلى أمر الناس. أي: ادع إلى نفسك. فقال عبد الرحمن: ثكلتك أمك، إنه لن يلي هذا الأمرَ أحدٌ بعدَ عُمَرَ إلاَّ لاَمَهُ الناسُ.

وعن الزهري قال: حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن قال: غُشِيَ على عبد الرحمن بن عوف في وجعه حتى ظنوا أنه قد فاضت نفسه، حتى قاموا من عنده، وجَلَّلُوهُ. فأفاق يكبِّرِ، فكبَّر أهل البيت، ثم قال لهم: غشي عليَّ آنفًا؟ قالوا: نعم. قال: صدقتم ! انْطَلَقَ بي في غَشْيَتي رجلان أَجِدُ فيهما شدَّةً وفظاظة، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فانطلقا بي حتى لقيا رجلاً، قال: أين تذهبان بهذا ؟ قال: نحاكمه إلى العزيز الأمين. فقال: ارجعا، فإنه من الذين كتب الله لهم السعادة والمغفرة في بطون أمهاتهم، وإنه سَيُمَتِّعُ به بنوه إلى ما شاء الله، فعاش بعد ذلك شهرًا.

قال الذهبي: أَرَّخَى المدائني، والهيثم بن عدي وجماعة وفاته في سنة اثنتين وثلاثين، وقال المدائني: ودفن بالبقيع، وقال يعقوب بن المغيرة: عاش خمسًا وسبعين سنة.

ثانيًا: شرح الحديث:

قوله: (فسئل): على البناء للمفعول، أي: سأله أحد الحاضرين معه.

وقوله: (أَمَّ): من الإمامة، أي: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أحدٍ من أمته غير أبي بكر رضي الله عنه ؟

وقوله: (فَعَدَلْتُ) بالتخفيف، أي صَرَفْتُ راحلتي لأصحبه صلى الله عليه وسلم.

وقوله: (برزنا): أي خرجنا إلى البَرَاز. فأبْعَدَ صلى الله عليه وسلم كما جاء في بعض الروايات.

وقوله: (حَاجَتَك) يجوز فيه النصب على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر)، ويجوز رفعه على أن يكون مبتدأً خبره مَحْذُوف والتقدير: (ما حاجتك؟).

وقوله: (قِرْبَة أو سَطِيحَة): القربة ظَرْفٌ من جلد يحرز من جانب واحد، وتستعمل لحفظ الماء أو اللبن ونحوهما، وأما السطحية فهي عبارة عن مزادتين من جلد سُطِحَ أحدهما على الآخر، فسميت سطحية.

وقوله: (ثم ذهب يَحْسُرُ) ذهب يحسر أي: شرع أو أخذ، فهو من أفعال المقاربة والشروع كَطَفِقَ، وجَعَلَ، وأما يَحْسُر فهو من باب نصر أي مضموم العين في المضارع، أو من باب ضرب أي مكسورها.

وقوله: (أوذنه) من الإيذان بمعنى الإعلام، أي أعلمه.

وفي الحديث منقبة عظيمة لعبد الرحمن بن عوف حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه مؤتمًا به، ولم ينل هذا الشرف إلا هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه كما هو معروف محفوظ.

ولقد أراد عبد الرحمن بن عوف أن يتأخر عندما شعر بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أومأ إليه أن يستمر في صلاته، ولو كان عبد الرحمن غير أهل لإمامة المسلمين في الصلاة ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأخره النبي صلى الله عليه وسلم أو أخره على تأخره. والله أعلم.

ثالثًا: ما ورد من مناقبه رضي الله عنه

1- عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من السابقين الأولين من المهاجرين، والله عز وجل نص على فضلهم في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة: 100).

2- عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من أهل بدر الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَعَلَّ الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم). (البخاري ومسلم وأبو داود).

3- عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ممن بايعوا تحت الشجرة، والله تعالى بين أنه رضي الله عنهم، فقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} (الفتح: 18)، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من بايع تحت الشجرة لن يلج النار، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة). (مسلم وأبو داود والترمذي).

4- عبد الرحمن رضي الله عنه ممن أنفقوا من قبل الفتح (أي فتح مكة)، وقاتلوا، ففضلهم الله تعالى على من أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، مع أن الجميع موعودون الحسنى، قال الله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (الحديد: 10).

5- عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من أول من وجهوا بقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110).

6- عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من أول من وجهوا بقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة: 143).

7- عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمدحهم الله تعالى وذكر أنهم موصوفون بالوصف الطيب في التوراة والإنجيل، قال تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الفتح: 29)، قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: من غاظه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ عليهم وانتقصهم فهو كافر بنص هذه الآية.

8- عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه مِن المشهود لهم بالجنة، شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، فهو من العشرة المبشرين بالجنة ؛ فعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت أن أسمي العاشر). (أحمد وأبو داود والترمذي).

9- عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وأخبر بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما طعن، وطلب منه الصحابة أن يوحي لأحد بعده بالخلافة فاختار الستة المشهورين المعروفين، وقال رضي الله عنه: (ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر - أو الرهط - الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، فسمى عليًا وعثمان وطلحة والزبير وسعدًا وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء).

10- عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يتعفف عن قبول مال أخيه الأنصاري وزوجه، ويدعو له بالبركة ويطلب إليه أن يدله على السوق ليتجر، فيأكل من كسب يده رضي الله عنه، فعن أنس رضي الله عنه أنه قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع - وكان كثير المال - فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالاً، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلقها حتى إذا حَلَّتْ تزوجْتَها، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلوني على السوق، فربح شيئًا من أَقِطٍ وسَمْن، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وَضَرٌ من صُفَرةٍ (أثر من الزعفران)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَهْيَمْ يا عبد الرحمن ؟) قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار، قال: (فما سقت فيها؟) قال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أَوْلِمْ وَلَوْ بشاة). (متفق عليه).

11- إحسان عبد الرحمن بن عوف إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهلي من بعدي). قال: فباع عبد الرحمن بن عوف حديقة بأربعمائة ألف فقسمها في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. (الحاكم ووافقه الذهبي).

وروى الذهبي في السير قال: قال عبد الله بن جعفر الزهري: حدثتنا أم بكر بنت المسور أن عبد الرحمن باع أرضًا له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسمه في فقراء بني زهرة، وفي المهاجرين، وأمهات المؤمنين، قال المسور: فأتيت عائشة بنصيبها، فقالت: من أرسل بهذا؟ قلت: عبد الرحمن. قالت: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون). سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة. (أحمد في المسند وأخرجه الحاكم).

وبعـدُ؛ هذه بعض مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وألحقنا به وبصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

اللهم بحبنا لصحب نبيك احشرنا معهم، وباعد بيننا وبين من يبغضونهم ويتنقصونهم ويتجرأون على دينك ونبينك وصحابته الذين حملوا الدين إلى العالمين.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

عدد المشاهدات 5034