السنة هى المصدر الثانى للتشريع - الحلقة الرابعة

2011-06-15

زكريا حسينى

السنة هى المصدر الثانى للتشريع - الحلقة الرابعة

الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا مباركًا فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير الخلق سيد ولد آدم، وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين ومن تبعهم إحسان إلى يوم الدين. وبعدُ:

فقد سقنا في العدد السابق الشبهة الرابعة التي ألقى بها المشككون في السنة وتدوينها وما احتج به أصحاب الشبهات، ثم كان الجواب عن هذه الشبهة، فتكلمنا عن: صيانة الحجة إنما تكون بعدالة حاملها وكذلك عن أن الحجية لا تتوقف على الكتابة، ونكمل في هذا العدد، فنقول وبالله التوفيق وبه الثقة:

الكتابة دون الحفظ قوةً

الحفظ – عند المسلمين – أقوى من الكتابة وأوثق؛ فإن علماء الأصول إذا تعارض حديث مسموع مع حديث مكتوب يرجّحون المسموع، قال الآمدي في «الإحكام»: «وأما ما يعود إلى المروي فترجيحان؛ الأول: أن تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، والرواية الأخرى عن كتاب، فرواية السماع أولى؛ لبعدها عن تطرق التصحيف والغلط».

وكذا علماء الحديث قد اتفقوا على صحة رواية الحديث بالسماع – أي الحفظ – واختلفوا في صحة روايته بطريق المناولة أو المكاتبة، والصحيح كما قال الحافظ في الفتح: شرط قيام الحجة بالمكاتبة: أن يكون الكتاب مختومًا، وحامله مؤتمنًا، والمكتوب إليه يعرف خط الشيخ، إلى غير ذلك من الشروط الدافعة لتوهم التغيير.

الحفظ أقوى من الكتابة خصوصًا من العرب ومن على شاكلتهم

إن العرب كانوا أمة أمية، يندر فيهم من يعرف الكتابة، ومن يعرفها منهم قد لا يتقنها، وإذا أتقنها فقد لا يتقن قراءتها القارئ منهم – خصوصًا قبل وضع قواعد النقط والشكل والتمييز بين الحروف المعجمة والمهملة-، لذلك كان جُل اعتمادهم على الحفظ في تواريخهم وأخبارهم ومعارضاتهم وسائر أحوالهم، حتى قويت ملكة الحفظ عندهم، وندر أن يقع منهم خطأ أو نسيان لشيء مما حفظوه، بخلاف الأمم التي تعتمد على الكتابة، وهي متعلمة لها، متمرنة عليها، فإنه تضعف فيهم ملكة الحفظ ويكثر عندهم الخطأ والنسيان لما حفظوه.

هذه الحال مشاهدة بيننا، فتجد الأعمى أقوى حفظًا لما يسمعه من البصير؛ لأنه جعل كل اعتماده على ملكة الحفظ، أما البصير فإنه يعتمد على الكتاب، وأنه سينظر فيه عند الحاجة، وكذلك طلاب العلم، وترى التاجر الأمي يعقد عدة صفقات في ساعات قلائل ومع ذلك يحفظ جميع ما له عند الغير، وما عليه له دون خطأ أو نسيان، بخلاف التاجر المتعلم الذي يتخذ الدفاتر في متجره ويعتمد على الكتابة، فإنه سريع النسيان لما لم يكتبه، كثير الخطأ فيه.

ولقد ساعد العرب على تقوية ملكة الحفظ عندهم طبيعة جوهم ومعيشتهم البسيطة، وذكاؤهم الحاد، وفهمهم القوي لما يحدث بينهم وخبرتهم الواسعة بأساليب لسانهم وطرق بيانهم.

الصحابة والتابعون وقوة الحفظ لديهم

إذا كان هذا حال العرب في جاهليتهم، فما بالنا بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم أجمعين، فقد قيّضهم الله سبحانه وتعالى لحفظ الشرع وصيانته، وحمله وتبليغه لمن بعدهم، وملأ قلوبهم إيمانًا وتقوى ورهبة وخوفًا من أن يبلّغوا من بعدهم شيئًا من أحكام الدين على غير ما سمعوا ورأوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن غير أن يثبتوا ويتأكدوا أنه هو الحق من ربهم، وهم قد حصلت لهم بركة صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتربوا على يديه، واستنارت قلوبهم وعقولهم بنوره، وتأدبوا بأدبه واستنوا بسنته، ودعا لهم بالعلم والحفظ والفقه كما ورد في أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم.

وكذلك التابعون كانت ملكة الحفظ عندهم قوية، فإنهم اجتمعوا بالصحابة وشاهدوا أحوالهم، واتبعوا خطاهم واقتفوا آثارهم، وذلك ينفي عن سامع الحديث من أحدهم توهم خطأ أو نسيان أو تبديل أو اختلاق.

والأخبار التي تدل على قوة الحفظ عند العرب كثيرة يعلمها القاصي والداني، فقد كان كثير من الصحابة والتابعين مطبوعين على الحفظ، مثل ابن عباس والشعبي والزهري والنخعي وقتادة، فكان أحدهم يكتفي أن يسمع القصيدة مرة واحدة فيحفظها.

وعلى ذلك فإن الكتابة والحفظ يتناوبان في المحافظة على الشيء، وغالبًا ما يضعف أحدهما إذا قوي الآخر، وهذا يوضح لنا أحد الأسباب التي حملت الصحابة على حث تلامذتهم على الحفظ ونهيهم عن الكتابة؛ وذلك لأنهم كانوا يرون أن الاعتماد على الكتابة يضعف فيهم ملكة الحفظ.

الحفظ أعظم من الكتابة فائدة وأجدى نفعًا وذلك أن الحفظ – غالبًا – لا يكون إلا مع الفهم وإدراك المعنى، حتى إنه ليستعان بذلك على عدم نسيان اللفظ، ومن حفظ شيئًا فإنه يراجعه حينًا بعد حين ليأمن من زواله، وأهم من ذلك أن علمه يكون في صدره يصطحبه أينما ذهب ومتى كان، فيرجع إليه متى شاء، ولا يكلفه حمله حينئذ مؤونة ولا مشقة، وأما الكتابة فتفتقد ذلك كله؛ فقد تكون بغير فهم المعنى، اعتمادًا على أنه سوف يفهم ما كتبه بعد ذلك، وقد تضيع عليه الفرصة في المستقبل لضياع المكتوب أو عدم وجوده عند الحاجة إليه، وغالبًا ما يجد مشقة في حمل المكتوب معه في كل وقت وكل مكان، وبذلك يكون نقلة العلم جهالاً، وما أعظمه سببًا في ضياع العلم، ومما يرشد إلى ذلك قول إبراهيم النخعي: «لا تكتبوا فتتكلوا».

وقد قيل:

اسْتَوْدَعَ العلمَ قرطاسًا فضيعه

وبئس مستودع العلم القراطيس

وقال الخليل بن أحمد:

ليس بعلم ما حوى القِمْطَرُ

ما العلم إلا ما حواه الصدر

 

الحكمة في النهي عن كتابة السنة

للعلماء في بيان حكمة هذا النهي أقوال:

الأول: أنه نهاهم عن كتابتها خشية اختلاطها بالقرآن، واشتباهه بها، فقد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تمييز القرآن كله بالكتابة عن سائر ما يصدر عنه، وتخصيصه بها إلى أن يطمئن إلى كمال تميزه عن غيره عند سائر الناس، وإلى استقراره في القلوب وشيوعه بين الناس، حتى إنه إذا أخطأ فرد من الأمة – فخلط بينه وبين غيره – رده سائر الأمة إلى الصواب، ولذلك لما اطمأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى تميزه تمام التميز أذن في كتابة السنة.

القول الثاني: أنه نهى عن كتابتها خوف اتكالهم على الكتابة، وإهمالهم الحفظ الذي هو طبيعتهم وسجيتهم، وبذلك تضعفُ فيهم ملكته، ولذلك كان النهي خاصًّا بمن كان قوي الحفظ آمنًا من النسيان، وأما من كان ضعيف الحفظ فقد أجاز له النبي - صلى الله عليه وسلم - الكتابة كما حدث مع أبي شاهٍ، وكذلك أجاز الكتابة لمن قوي حفظه لما كثرت جدًّا وفاتت الحصر والعد، وضعف عن حفظ جميعها، كما حصل لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

القول الثالث: أن العارفين للكتابة كانوا في صدر الإسلام قليلين، فاقتضت الحكمة قصر مجهودهم على كتابة القرآن الكريم، وعدم اشتغالهم بكتابة غيره؛ تقديمًا للأهم على المهم، ولذلك لما توافر عددهم أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتابة الحديث.

القول الرابع: أنه نهاهم خشية الغلط فيما يكتبون من السنة لضعفهم في الكتابة، وعدم إتقانهم لها وإصابتهم في التهجي، فعلى هذا يكون من نُهُوا عن الكتابة كانوا لا يحسنونها، فأما من كان يحسنها فقد أذن له، ولا يتطرق ذلك إلى القرآن؛ لأن القرآن كانوا يتوافرون على حفظه من كتب ومن لم يكتب، بخلاف الحديث.

إذنه صلوات الله وسلامه عليه بكتابة السنة

قد ثبت إذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتابة ما يصدر عنه من غير وجه؛ فمن ذلك:

حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الذي ذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» أنه قال: «قلت: يا رسول الله، أأقيد العلم؟ قال: «قَيِّد العلم». قال عطاء: وما تقييد العلم؟ قال: كتابته» [الطبراني في الأوسط 848].

وحديثه رضي الله عنه عند أهل السنن قال: «كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورسول الله بشر، يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق» [أبو داود 3646 وصححه الألباني].

وحديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا – عند ابن عبد البر والذهبي -: «قيدوا العلم بالكتابة».

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه – عند أحمد والبيهقي – قال: «ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب، استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكتاب فأذن له» [مسند أحمد 9220].

وروى البخاري ومسلم بسنديهما إلى أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «لما فتح الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مكة قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله حبس عن مكة الفيل (أو القتل)، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، فإنها لم تحل لأحد قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد من بعدي، فلا ينفّر صيدها، ولا يُختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما يُفْدَى وإما أن يُقيد». فقال العباس رضي الله عنه: إلا الإذخر فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إلا الإذخر»، فقام أبو شاه (رجل من أهل اليمن) فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اكتبوا لأبي شاهٍ»، قال الأوزاعي: يريد: اكتبوا لي هذه الخطبة. [متفق عليه].

وروى أحمد والبخاري ومسلم – واللفظ له – عن يزيد بن شريك التيمي أنه قال: خطبنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: «من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة (صحيفة معلقة في قراب سيفه) فقد كذب»، فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وفيها: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: المدينة حرام ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً، ومن ادَّعَى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً». [متفق عليه].

وروى أبو داود في السنن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: «ما كنا نكتب غير التشهد والقرآن» [أبو داود 3648]، والتشهد معلوم أنه من السنة، فثبتت كتابة السنة عن أبي سعيد الذي روى حديث النهي عنها.

وغير ذلك مروي عن رافع بن خديج وابن عباس، وعمرو بن حزم ومعاذ بن جبل وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن

للعلماء في الجمع بينهما أقوال؛ منها:

أولاً: أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك الوقت.

ثانيًا: أن النهي خاص بكتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة والإذن كان بكتابة الحديث في صحف مستقلة ليس فيها شيء من القرآن.

ثالثًا: أن النهي كان خاصًّا بكُتاب الوحي – المتلو وهو القرآن – الذي كانوا يكتبونه في صحف لتُحفظ في بيت النبوة، والإذن لغيرهم.

رابعًا: أن النهي لمن أمن عليه النسيان، ووُثق بحفظه، وخيف اتكاله على الكتابة، والإذن لمن خيف عليه النسيان، ولم يوثق بحفظه.

خامسًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما بالكتابة دون غيره؛ لأنه كان قارئًا للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعبرية، وغيره من الصحابة كانوا أميين فلم يأذن لهم.

سادسًا: أن يكون الإذن ناسخًا للنهي – كأنه نهى في أول الأمر أن يُكتب قوله، ثم لما علم أن السنن تكثر ويفوت حفظها رأى أن تُكتب وتُقيد، قال ذلك ابن قتيبة في «تأويل مختلف الحديث»، والخطابي في «معالم السنن».

سابعًا: من العلماء المعاصرين من قال: إن النهي ناسخ للإذن، وهو غير معقول للأسباب الآتية:

1- أنه لا يصار إلى القول بالنسخ إلا عند العجز عن الجمع بين الدليلين المتعارضين بغيره، وقد أمكن الجمع كما تقدم في الأقوال الخمسة الأولى.

2- أن أحاديث الإذن متأخرة، فحديث:  «اكتبوا لأبي شاه» متأخر، لأنه كان عام الفتح، وحديث أبي هريرة في المقارنة بينه وبين عبد الله بن عمرو متأخر أيضًا، فإسلام أبي هريرة كان متأخرًا.

وحديث همه - صلى الله عليه وسلم - بكتابة كتاب لن تضل الأمة بعده كان في مرض موته - صلى الله عليه وسلم -.

3- إجماع الأمة – إجماعًا قطعيًّا – بعد عصر الصحابة والتابعين على الإذن وإباحة الكتابة، وعلى أن الإذن متأخر عن النهي، وهو إجماع ثابت بالتواتر العملي عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول، حتى الذين يقولون – في عصرنا – بأن النهي ناسخ للإذن، فإنهم ملأوا الصحف بالحديث عن  رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وللحديث بقية إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.

عدد المشاهدات 2421