خطبة : وقفات قبل الفوات - عدد رمضان1438هـ من كتاب الواعظ

2017-05-21

اللجنة العلمية

وقفات قبل الفوات

وقفات قبل الفوات

رمضان حجة لك لا عليك:

إن من فضل الله على عباده أن يسر لهم مواسم الطاعات، وجعلها متنوعة ومتوالية في أوقات مختلفة، حتى يسهل تحصيل الثواب على العباد، وهذا من رحمة الله بعباده.

قال ابن الجوزي: " شهر رمضان لَيْسَ مثله فِي سَائِر الشُّهُور وَلَا فضلت بِهِ أمة غير هَذِه الْأمة فِي سَائِر الدهور، الذَّنب فِيهِ مغْفُور وَالسَّعْي فِيهِ مشكور وَالْمُؤمن فِيهِ محبور والشيطان مبعد مثبور والوزر وَالْإِثْم فِيهِ مهجور وقلب الْمُؤمن بِذكر الله معمور وَقد أَنَاخَ بفنائكم وَهُوَ عَن قَلِيل راحل عَنْكُم شَاهد لكم وَعَلَيْكُم مُؤذن بشقاوة أَو سَعَادَة أَو نُقْصَان أَو زِيَادَة وَهُوَ ضَعِيف مسئول من عِنْد رب لَا يحول وَلَا يَزُول يخبر عَن المحروم مِنْكُم والمقبول، فَالله الله أكْرمُوا نَهَاره بتحقيق الصّيام واقطعوا ليله بطول الْبكاء وَالْقِيَام فلعلكم أَن تفوزوا بدار الْخلد وَالسَّلَام مَعَ النّظر إِلَى وَجه ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام ومرافقة النَّبِي -صلى الله عليه وسلم-"(1).

وقال الحسن البصري: " إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا! فالعجب من اللاعب

الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون! ويخسر فيه المبطلون"! (2).

غدًا توفى النفوس ما كسبت ويحصد الزارعون ما زرعــوا

إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم وإن أساؤا فبئس ما صنعوا (3).

ولقد ذكر الله تعالى حكمته من مشروعية الصيام فقال: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى، لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه.

وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: " يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي"(4).

ومن اغتنم شهره بفعل الطاعة، فحريٌ أن يكون رمضان حجة له، فيرزق تقوى الله عز وجل فتكون زادًا له طوال عامه، وهذا من أعظم ثمرات الصيام.

فمن ثمراته:

- أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقربًا بذلك إلى الله، راجيا بتركها، ثوابه، فهذا مما يورث التقوى في قلب العبد.

-ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه.

-ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام، يضعف نفوذه، وتقل منه المعاصي، ومنها: أن الصائم في الغالب، تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى، ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك، مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى.

فحقيق بشهر، هذا فضله، وهذا إحسان الله عليكم فيه، أن يكون موسمًا للعباد مفروضًا فيه الصيام(5).

ومن نعم الله على عباده، أن يسر لهم صيام هذا الشهر وهذه نعمة عظيمة توجب الشكر، كما قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]

قال أبو جعفر الطبري في قوله تعالى: { وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ }، يعني تعالى ذكره، ولتعظِّموا الله بالذكر له بما أنعم عليكم به، من الهداية التي خذل عنها غيركم من أهل الملل الذين كتب عليهم من صوم شهر رمضان مثلَ الذي كتب عليكم فيه، فضلُّوا عنه بإضلال الله إياهم، وخصَّكم بكرامته فهداكم له، ووفقكم لأداء ما كتبَ الله عليكم من صومه، وتشكروه على ذلك بالعبادة لهُ.

والذكر الذي حضهم الله على تعظيمه به، "التكبير" يوم الفطر، فيما تأوله جماعة من أهل التأويل(6).

وأما تأويل قوله تعالى: { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، قال أبو جعفر الطبري: يعني "ولتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق، وتيسير ما لو شاء عسر عليكم"(7).

وقد أخبر ربنا تبارك وتعالى أنه خلق الموت والحياة بلاءً لعباده لينظر من يحسن منهم العمل فقال سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ } [الملك: 2] قال الفضيلُ بن عياض في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}، قال: أخلصُه وأصوبُه. قيل ما أخلصه وأصوبه فقال: إنَّ العملَ إذا كان خالصاً، ولم يكن صواباً، لم يُقبل، وإذا كان صواباً، ولم يكن خالصاً، لم يُقبل حتّى يكونَ خالصاً صواباً، قال: والخالصُ إذا كان لله عز وجل، والصَّوابُ إذا كان على السُّنَّة.

وقد دلَّ على هذا الذي قاله الفضيلُ قولُ الله عز وجل: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}.

ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]

وقال بعضُ العارفينَ: إنَّما تفاضَلُوا بالإرادات، ولم يتفاضَلُوا بالصَّوم والصَّلاة(8).

عَنْ أَنَسٍ بن مالك-رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ فَقِيلَ: كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ"(9).

كل ذلك يكون دليلًا على حسن اغتنام أوقات رمضان، فمن سار على ذلك كان رمضان حجة له ومن خالف فلا شك أنه يكون حجة عليه.

العيد عبادة:

أيام العيد أيام شكر وعبادة لا تكون أيام لهوٍ وغفلة، والمؤمن يتقلب بين الطاعات والعبادات، حتى يلقى ربَّ الأرض والسماوات فيفوز بالرضوان من الله والجنات، والمؤمن لا تهدأ نفسه، حتى تطأ قدمه الجنة.

ومن الأعمال التي يحبها الله في هذا اليوم:

1-الإكثار من ذكر الله تعالى:

وقد أوصانا ربنا تبارك وتعالى بذلك فقال: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]

وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ"(10).

2-صلة الأرحام:

وهي من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر، كما في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"(11).

وقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: "صِلَةُ الرَّحِمِ فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"، وقَالَ مُجَاهِدٌ: "لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ مِنْ أَحَدٍ وَرَحِمُهُ مُحْتَاجَةٌ"(12).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وَلَيْسَ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ تَرْكُ الْقَرَابَةِ تَهْلَكُ جُوعًا، وَعَطَشًا، وَعُرْيًا، وَقَرِيبُهُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ مَالًا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لِكَافِرٍ، فَلَهُ دِينُهُ وَلِلْوَاصِلِ دِينُهُ"(13).

ومن ثمرات صلة الأرحام، أنها تورث بركةً فى الأرزاق وزيادةً فى الأعمار وعمارةً للديار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ"(14).

3-التصدق على الفقراء، والعطف على اليتامى والمساكين:

وعلى رأسها زكاة الفطر عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ"(15).

عن ابن عباسٍ-رضي الله عنهما- قال: فرض رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- زكاةَ الفِطْر طُهْرةً للصَائم مِن اللغو والرَّفثِ وطُعْمةً للمساكينَ، مَنْ أدَّاها قبلَ الصَّلاة، فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أدَّاها بعدَ الصَّلاة، فهي صَدَقةٌ من الصَّدقات"(16).

ولإخراج الزكاة أثر اجتماعي كبير على الأمة المسلمة، فهي وسيلة عملية فعالة في سد حاجة المحتاج وعلاج لمشكلة الفقر في المجتمع المسلم بشكل يكاد يكون جذريًا، وبطريقة ميسرة كل التيسير في حين نرى عجز الأنظمة الأرضية التي وضعها المصلحون والمفكرون في شعوب العالم عن علاج هذه المشكلة، كما عالجها الإسلام، وتحقق الأخوة الإيمانية الصادقة التي لا تتحقق عند غير المسلمين، وتظهر نظامًا تكافليًا ربانيًا ليس له على وجه الأرض ند ولا نظير، حيث يعطف فيه الغني على الفقير، ويحترم الفقير الغني، وتبنى فيه العلاقة على أساس المودة والرحمة(17).

4-ترك التباغض والتحاسد:

وقد ورد النهي عن التباغض والتحاسد بشكل عام، والنهي عنه في الأعياد من باب أولى، كما في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ"(18).

مواصلة الطاعات:

علامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة بعدها وعلامة ردها أن توصل بمعصية، وقد قال بعض السلف: "إِنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا، فَالْعَبْدُ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً قَالَتْ أُخْرَى إِلَى جَنْبِهَا: اعْمَلْنِي أَيْضًا، فَإِذَا عَمِلَهَا، قَالَتِ الثَّالِثَةُ كَذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرًّا، فَتَضَاعَفُ الرِّبْحُ، وَتَزَايَدَتِ الْحَسَنَاتُ"(19).

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من الحور بعد الكور(20)، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ لِمَعْمَرٍ: مَا الْحَوْرُ بَعْدَ الْكَوْرِ يَا أَبَا عُرْوَةَ؟ قَالَ: " لَا تَكُونُ كَسْبًا يَقُولُ: كَانَ رَجُلًا صَالِحًا ثُمَّ رَجَعَ عَلَى عَقِبِهِ "(21).

وقال ابن رجب: " ما أحسن الحسنة بعد الحسنة وأقبح السيئة بعد الحسنة، ذنب بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها، والنكسة أصعب من المرض الأول، وما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة"(22).

كثير من الناس ولله الحمد وفق للمحافظة على صلاة التراويح والتهجد في رمضان، كذا الصبر على صيام النهار، وفي ذلك حجة على من يترك قيام الليل وصيام التطوع بعد رمضان، فالذي وفق لذلك على مدار شهر كامل بين صيام وقيام، فلم يعجز عن التطوع بركعات ولو قليلة، أو صيام يومين أو ثلاثة من كل شهر؟! وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللهِ وَإِنْ قَلّ "(23).

و قيل لبشر الحافي: إن قوما يتعبدون و يجتهدون في رمضان فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقا إلا في شهر رمضان إن الصالح الذي يتعبد و يجتهد السنة كله(24).

وقد رغب نبيًا -صلى الله عليه وسلم- أمته في المداومة والمواصلة للطاعات بعد رمضان شحذًا للهمم وترغيبًا لنيل الأجر والثواب، كما في الحديث عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ"(25).

وذكر ابن رجب في معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة:

منها: أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله كما سبق.

ومنها: أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص فإن الفرائض تجبر أو تكمل بالنوافل يوم القيامة.

ومنها: أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان فإن الله إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها فمن عمل حسنة ثم اتبعها بعد بحسنة كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى كما أن من عمل حسنة ثم اتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.

وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره وغير ذلك من أنواع شكره فقال سبحانه: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] فمن جملة شكر العبد لربه على توقيفه لصيام رمضان وإعانته عليه ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرا عقب ذلك.

ومنها: أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيًا وهذا معنى الحديث المتقدم: أن الصائم بعد رمضان كالكار بعد الفار يعني كالذي يفر من القتال في سبيل الله ثم يعود إليه، وذلك لأن كثيرا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان لاستثقال الصيام وملله وطوله عليه ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعا فالعائد إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر يدل عوده على رغبته في الصيام وأنه لم يمله ولم يستثقله ولا تكره به(26).

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ"، ومعنى ذلك؛ أَنَّ الحسنةَ لمّا كانت بعشر أمثالها، كان مبلغ مَا لَهُ من الحَسَنات في صومِ الشَّهر والسِّتةِ أيّام ثلاث مئة وستّون حَسَنَة، عدد أيّام السَّنَة، وكأنَّه صام سَنَة كاملة، يكتب له في كلِّ يوم منها حسنة(27).

وقال النووي: " قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَرَمَضَانُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِشَهْرَيْنِ"(28).

لا تقنطوا من رحمة الله:

لقد فرض الله عز وجل علينا صيام نهار رمضان، ورغَّب نبينا -صلى الله عليه وسلم- في قيام لياليه، وحثنا على المسابقة والمسارعة فيه بالطاعات، والمنافسة في فعل الخيرات، فطوبى لمن اغتنم أوقات هذا الشهر في الطاعة، فحافظ على صيامه كما أمر ربنا تبارك وتعالى، ولم يتعرض لشيء يغضب الله عز وجل، فعسى أن يكون من المفلحين، وأما من قصر في أمر من الأمور، فليسارع بالتوبة والإنابة، ولا يقنط من رحمة الله عز وجل فإن رحمته سبحانه وسعت كل شيء، ومن ظن أن ذنوبه لا تتسع لعفو الله ومغفرته فقد ظن بربه ظن سوء.

---

(1) بستان الواعظين ورياض السامعين لابن الجوزي(ص: 215).

(2) لطائف المعارف فيما المواسم العام من الوظائف لابن رجب(ص: 232).

(3) لطائف المعارف فيما المواسم العام من الوظائف لابن رجب(ص: 232).

(4) أخرجه البخاري(7492)، ومسلم(2764).

(5) وانظر تفسير السعدي (ص: 86).

(6) تفسير الطبري(3/ 478).

(7) تفسير الطبري(3/ 479).

(8) انظر حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم(8/ 95)، وجامع العلوم والحكم لابن رجب(1/ 71).

(9) أخرجه الترمذي(2142)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير(305).

(10) أخرجه الترمذي(3377)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير(2629).

(11) أخرجه البخاري (6138).

(12) تفسير القرطبي (14/ 35).

(13) أحكام أهل الذمة لابن القيم(2/ 792).

(14) أخرجه البخاري (5985)، ومسلم(6616).

(15) أخرجه البخاري(1504)، ومسلم(2325).

(16) أخرجه أبو داود(1609)، وصححه الألباني في الجامع الصغير(5883).

(17) مجلة البحوث الإسلامية (62/ 314).

(18) أخرجه البخاري(6065)، ومسلم(6690).

(19) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم(ص: 56).

(20) وهو ثابت من حديث عبدالله بن سرجس-رضي الله عنه-، عند مسلم(2629)، بلفظ كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ. . الحديث.

(21) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه(9231).

(22) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 64).

(23) أخرجه البخاري(6464)، ومسلم(1866). من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

(24) لطائف المعارف لابن رجب(ص: 244).

(25) أخرجه مسلم(2815).

(26) لطائف المعارف لابن رجب (ص: 220).

(27) المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي(4/ 213).

(28) شرح النووي على مسلم (8/ 56).

عدد المشاهدات 5458