الخطب : هو سماكم المسلمين (سلسلة الواعظ عدد المحرم 1438هـ)

2016-10-04

اللجنة العلمية

هو سماكم المسلمين

هو سماكم المسلمين

حقيقة الانتماء للإسلام ومعياره

مقتضيات الانتماء للدين

قوادح الانتماء للدين

إن أعظم نعمة وأرفع هُويَّة وأشرف نسبة هي أن ينسب المرء للإسلام قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78]. فنسبة المرء لهذا الدين وانتماؤه إليه هي منبع العزة ومصدر الشرف قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله. (1)

وإن اعتزاز المسلم بالانتماء لدينه وصف لا ينفك عنه حتى في لحظات الضعف بل في لحظات الهزيمة

فهذا يوسف عليه السلام يلقيه أخوته في غيابة الجب ليلتقطه سيارة فيبيعونه بثمن بخس دراهم معدودة؛ ثم يتعرض لفتنة امرأة العزيز فيسجن مظلوما على الرغم من طهره وعفافه ولكن هذه الظُّلامات وتلك الملمَّات لم تمنعه أن يجهر في محبسه باعتزازه بدينه وعراقة نسبه وانتمائه إليه وبراءته مما سواه {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [يوسف: 37- 38]

والجزاء من جنس العمل فقد امتن الله عليه بعدما مكث في السجن بضع سنين

وصيره عزيزا في مصر ليأتيه أخوته سائلين راجين واصفين إياه بلقب العزيز كما أخبر رب العزة {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88]

حقيقة الانتماء للإسلام ومعياره

إن انتماء المرء لدينه يحمل معنى الاستسلام لله بتوحيده والانقياد له بطاعته والخضوع والذل له وحده؛ وثمرة هذا أن يؤثر الدين في سلوك المتدين؛ قال تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138] قال القرطبي: فسمي الدين صبغة استعارة ومجازا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. (2)

وحقيقة الانتماء للإسلام ليست شعارات ترفع أو دعوى مجردة عن العمل ذلك أن العمل داخل في ماهية الإيمان ومسماه وهذا من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة؛ قال البخاري رحمه الله: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم. . ثم سمى جماعة منهم، ثم قال: فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل؛ وذلك لقول الله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةِ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] (3)

من أجل ذلك كانت أوثق أسباب الروابط بين المسلمين نتاج التوافق في الدين

والمعتقد السليم والمنهج الصحيح، قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]

وقال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ

أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)} [[هود: 45-46]

وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]

مقتضيات الانتماء للدين

أولا: موافقة الشرع ومتابعة النبي -صلى الله عليه وسلم-

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: دين الإسلام مبني على أصلين:

- أن نعبد الله وحده لا شريك له

- وأن نعبده بما شرعه من الدين

وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب، فيُعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان. فلما كانت شريعة التوراة محكمة كان العاملون بها مسلمين، وكذلك شريعة الإنجيل.

وكذلك في أول الإسلام لما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي إلى بيت المقدس كانت صلاته إليه من الإسلام، ولما أُمر بالتوجه إلى الكعبة كانت الصلاة إليها من الإسلام، والعدول عنها إلى الصخرة خروجًا عن دين الإسلام. (4)

فلا يكفي لقبول العمل أن يكون خالصا لله بل لابد أن يكون موافقا لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-

قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]

وقال: تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]

وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]، فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول، وجعل متابعة الرسول سببا لمحبة الله عبده.

وعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى. (5)

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ. (6)، وفي رواية لمسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. (7)

ومتابعة النبي -صلى الله عليه وسلم- من لوازم شهادة أن محمدا رسول الله، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع. (8)

ثانيا: اتباع منهج السلف الصالح وتقديم فهمهم للنصوص

المقصود بالسَّلَف: أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن تبِعَهم بإحسان، فلم يَخْرُج عن منهجهم.

ومن دلائل صدق الانتماء إلى الدين اتباع منهج السلف الصالح واتباع طريقهم وتقديم فهمهم للنصوص، وقد قامت الأدلة على ربط الهداية والفوز باتباع منهج السلف الصالح من الصحابة ومن سار على نهجهم قال تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} [البقرة: 137]

وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]

قال ابن القيم: ومن المحال أن يخطئ الحق في حكم الله خير قلوب العباد بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويظفر به من بعدهم. (9)

وقد توعد رب العزة من خالف طريق الصحابة وسلك غير سبيلهم؛ قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]؛ فاتباع طريق الصحابة والسلف الصالح فرع عن اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-

ويتميز علم السلف الصالح وفهمهم بالصفاء والاقتصار على ما ينفع وعدم الخوض في الجدال والخصام.

وما ظهرت البدع وتفرقت الأمة إلا عند الإعراض عن فهم السلف من الصحابة ومن تبعهم كما فعل الخوارج عندما خرجوا على المسلمين محتجين بفهمهم لنصوص الكتاب والسنة على نحو يخالف فهم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وكان من نتيجة ذلك ما قاله ابن عبد البر: هم قوم استحلوا بما تأولوا من كتاب الله ( عز وجل ) دماء المسلمين وكفروهم بالذنوب وحملوا عليهم السيف. (10)

فضلوا السبيل فلم تغن عنهم كثرة قراءتهم وعبادتهم شيئا كما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- من شأنهم: يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ

يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. (11)

وقد أمَر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتمسُّك بِفَهْم أصحابه، فقال: فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ. (12)

وسنة الخلفاء الراشدين أي ما فهموه لأنهم لا يخرجون عن الكتاب والسنة ليشرعوا تشريعًا جديدًا

ثالثا: الانتماء إنما يكون للدين وليس للأشخاص ولا الأفكار

قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}، قال ابن القيم: فأخبر سبحانه أن الهداية في طاعة الرسول لا في غيرها، فإنه معلق بالشرط فينتفي بانتفائه. (13)

وقال ابن القيم: قال الشافعي، رحمه الله: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. (14)

وقال ابن القيم: إن الحجة الواجب إتباعها على الخلق كافة إنما هو قول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وأما أقوال غيره فغايتها أن تكون سائغة الاتباع فضلاً عن أن يعارض بها النصوص. (15)

رابعا: التسليم لكل ما جاءنا من الله وصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

إن التسليم للنصوص الشرعية تابع لقوة الإيمان وضعفه فكلما قوي الإيمان ازاد التسليم لنصوص الشارع وكلما ضعف الإيمان ضعف التسليم للنصوص الشرعية؛ لذا فقد أثنى رب العزة على من أسلم وجهه لله فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125]

وقال تعالى {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22]

عن معاذة، قالت: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ. فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ. (16)

خامسا: ترسيخ عقيدة الولاء والبراء

الولاء معناه المحبة والمودة والقرب، والبراء هو البغض والعداوة والبعد، والولاء والبراء أمر قلبي في أصله. . لكن يظهر على اللسان والجوارح. . فالولاء لا يكون إلا لله تعالى ورسوله --صلى الله عليه وسلم-- وللمؤمنين كما قال سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 55] فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم، والإشفاق عليهم، والنصح لهم، والدعاء لهم، والسلام عليهم، وزيارة مريضهم وتشييع ميتهم ومواساتهم

وإعانتهم والسؤال عن أحوالهم، وغير ذلك من وسائل تحقيق هذا الولاء. (17)

ولا يكون الولاء لمن وافق في الدين والعقيدة الصحيحة

قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ

أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)} [[هود: 45-46]

وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]

البراء والولاء لله سبحانه: أن يتبرأ الإنسان من كل ما تبرأ الله منه كما قال سبحانه وتعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا} [الممتحنة: 4]، وهذا مع القوم المشركين كما قال سبحانه: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3].

فيجب على كل مؤمن أن يتبرأ من كل مشرك وكافر. فهذا في الأشخاص.

وكذلك يجب على المسلم أن يتبرأ من كل عملٍ لا يرضي الله ورسوله وإن لم يكن كفراً، كالفسوق والعصيان كما قال سبحانه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7].

وإذا كان مؤمن عنده إيمان وعنده معصية، فنواليه على إيمانه، ونكرهه على معاصيه. (18)

والبراءة من الكفار تكون: ببغضهم - ديناً - وعدم بدئهم بالسلام وعدم التذلل لهم أو الإعجاب بهم، والحذر من التشبه بهم، وتحقيق مخالفتهم - شرعاً - وجهادهم بالمال واللسان والسنان، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام وغير ذلك من مقتضيات البراءة منهم. (19)

ونقل ابن مفلح عن عقيل قوله: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة. . . إلى أن قال: وهذا يدل على برودة الدين في القلب. (20)

قوادح الانتماء للدين

أولا: التفرق والتحزب

إن الله تعالى قد نهى عن التفرق والخصام فقال: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]

وقال: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32]

وإن من أكبر أسباب التفرق ترك ما أمر الله به واتباع الشبهات والأهواء

قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة: 14]. قال شخ الإسلام ابن تيمية: فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب. (21)

قال ابن رجب رحمه الله: وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعا وكفر بعضهم بعضا، وأصبحوا أعداءً وفرقا وأحزابا بعد أن كانوا إخوانا قلوبهم على قلب رجل واحد، فلم ينج من هذه الفرق إلا الفرقة الواحدة الناجية، وهم المذكورون في قوله -صلى الله عليه وسلم-: لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق لا

يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. (22)

ثانيا: التشبه بغير المسلمين يقدح في الانتماء للدين

لقد أرادت الشريعة الإسلامية أن تجعل للمسلم شخصية متميزة عن غيره في الظاهر والباطن؛ وقد منع الشارع الحكيم التشبه بالكفار في عاداتهم وعباداتهم وأعيادهم وملابسهم فمن حديث أنس بن مالك عند مسلم، وفيه أن اليهود قالوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ. (23)

فالتشبه بغير المسلمين يقدح في صدق انتماء المرء لدينه.

وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية بعضا من أخطار التشبه بغير المسلمين وهي:

1- المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس؛ فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة - مثلا - يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيا لذلك، إلا أن يمنعه مانع.

2- ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.

وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام - الذي هو الإسلام، لست أعني مجرد التوسم به ظاهرا أو باطنا بمجرد الاعتقادات من حيث الجملة - كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنا وظاهرا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.

3- ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر، توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهرا، بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية.

هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحا محضا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم؛ كان شعبة من شعب الكفر؛ فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم.(24)

والحمد لله رب العالمين

---

(1) أخرجه الحاكم (207)، وصححه الألباني في الصحيحة (1/117- 118)

(2) تفسير القرطبي (2/ 144)

(3) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 195)

(4) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، شيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 69)

(5) أخرجه البخاري (7280)

(6) أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718)

(7) أخرجه مسلم (1718)

(8) مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، 1/190.

(9) إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 106)

(10) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار (8/ 85)

(11) أخرجه البخاري (3610)، ومسلم (1064)

(12) أخرجه أحمد (4/127)، وأبو داود (4609) من حديث العرباض

(13) الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه (ص: 37)

(14) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 6)

(15) الرسالة التبوكية (ص: 37)

(16) أخرجه مسلم (335)

(17) أبحاث في الاعتقاد عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (ص: 28- 29)

(18) انظر: مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين - باب الولاء والبراء.

(19) أبحاث في الاعتقاد (ص: 28- 29)

(20) الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 237)

(21) مجموع الفتاوى (3/ 421)

(22) كشف الكربة في وصف أهل الغربة لابن رجب (ص: 319)

(23) أخرجه مسلم (302)

(24) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 93 - 94)

عدد المشاهدات 2241