افتتاحية العدد : أمة الجحور (سلسلة الواعظ عدد ذو القعدة 1437هـ)

2016-08-04

أحمد سليمان

أمة الجحور

أمة الجحور

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وبعد،

في الأمة الإسلامية أمة الإسلام مرقت منها أمة أبت أن لا تعيش إلا في الجحور، وياليتها اختارت جحرًا يحميها من الآفات، ولكن للأسف اختارت أضيق الجحور وأخبثها وأكثرها هلكة.

هذه الأمة أخبرنا عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديثه المعجز فقال كما في الصحيحين: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ)) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: ((فَمَنْ))

قال الإمام النووي رحمه الله: السَّنَن، بفتح السين والنون: وهو الطريق، والمراد بالشبر، والذراع، وجحر الضب: التمثيل بشدّة الموافقة في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد وقع ما أخبر به -صلى الله عليه وسلم-

إي والله وقع وعمت به البلوى فترك أكثر الخلق طريق الهداية واتبعوا سبل الغواية وخالفوا سبيل المهتدين المرضيين واستبدلوه بسبيل المغضوب عليهم والضالين، وياليتهم تفكروا في السبيل الذي ولجوه ولكنهم اتبعوهم على عماء وقلدوهم كما تفعل الببغاء، وياليتهم قلدوهم في نفع دنيوي أو اختراع حيوي ولكنهم أبوا إلا محاكاتهم في البلايا بل ومنافستهم في الخطايا والإمعان في الرزايا،

وهذا الحديث يكشف لنا مدى الاتباع لهم والافتتان بأفعالهم فذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- حرص هذه الأمة على الموافقة لهم والسير وراءهم شبرا بشبر وذراعا بذراع إلى أن يصلوا إلى الدخول في مكان قذر وبيت خرب لدخلنا خلفهم وتباهينا بمتابعتهم،

والرائع في هذا الحديث النبوي أنه ضرب المثل بجحر الضب، والضب معلوم عنه شدة الحيرة والاضطراب، وفي أمثال العرب يقولون على من تحير: أضل من ضب

وهكذا حال السائرين خلفهم تحيروا فلم يعرفوا مسكنهم الحقيقي الذي ينبغي لهم أن يسعوا إليه فضلوا الطريق وتاهوا في كل مزلق وضيق

إن من أنعم النظر اليوم ورأى حال المسلمين ليرى رأي العين أن غالب المسلمين اليوم يسيرون على هدي الساقطين واستُبدل هدي المجرمين بهدي النبي الأمين -صلى الله عليه وسلم-،

قال الإمام الآجري في كتابه الشريعة تحت باب: ذكر خوف النبي -صلى الله عليه وسلم-على أمته وتحذيره إياهم سنن من قبلهم من الأمم: من تصفح أمر هذه الأمة من عالم عاقل، علم أن أكثرهم العام منهم يجري أمورهم على سنن أهل الكتابين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى سنن كسرى وقيصر وعلى سنن أهل الجاهلية وذلك مثل السلطنة وأحكامهم وأحكام العمال والأمراء وغيرهم، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية، والأكل والشرب والولائم، والمراكب والخدم والمجالس والمجالسة، والبيع والشراء، والمكاسب من جهات كثيرة، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها تجري بينهم على خلاف السنة والكتاب، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والله المستعان، ما أقل من يتخلص من البلاء الذي قد عم الناس، ولن يميز هذا إلا عاقل عالم قد أدبه العلم، والله الموفق لكل رشاد، والمعين عليه. انتهى

ولك أن تنظر اليوم في عادات المسلمين ومعاملاتهم وزيهم وسمتهم لرأيت العجب العجاب، إن تفننوا في زي جديد استعملناه وإن قصوا حبل الوريد قطعناه أو مزقوا بنطالهم مزقناه أو جعلوا رؤسهم كرؤس الشياطين فأهلا بأصحاب الشياطين مع أن القزع ظلم للشعر ومدعاة للسخرية عند المؤمنين

وإن المشابهة في الهدي الظاهر تورث المشابهة في الباطن من حيث لا يشعر العبد كما أن المفارقة بيننا وبينهم في الظاهر توجب المفارقة في الباطن، وكلما كان القلبُ أتمَّ حياةً، وأعرفَ بالإسلام الذي هو الإسلام كان إحساسُه بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا أو ظاهرًا أتمَّ، وبُعدُه عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد: ومن تشبه بقوم فهو منهم، والمرء يحشر مع من أحب

ولهذا وقعت المتابعة لهم في العقائد والملل من حيث لا يشعر الإنسان، فإن افتراق الأمة إلى فرق متقاتلة ما هو إلا نوع من مشابهتهم فيما وقعوا فيه، وبعض المفرطين في دينهم قد شابه اليهود والنصارى في صفة عباداتهم فمن ذلك أن اليهود والنصارى يعبدون الله يوما واحدا في صوامعهم هؤلاء يوم السبت والآخرون يوم الأحد وكذلك نرى في المسلمين من لا يعرف طريق المسجد إلا يوم الجمعة وهذه صورة من صور المشابهة

إن قضية التقليد لهم والمتابعة لكل مستجد عندهم إن دل فإنما يدل على أن هؤلاء لم يعرفوا أسوتهم ولم يحبوا قدوتهم لذا قلبوا النظر في غيره فاتبعوا سننهم وساروا في ركابهم.

والقرآن الكريم يدلنا دلالة قاطعة على طريق الهداية فيقول لنا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } (الأحزاب: 21)

فاللهم رد المسلمين إلى دينك ردًّا جميلًا والحمد لله أولًا وآخرًا

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

كتبه

أحمد بن سليمان

عدد المشاهدات 1906