باب قطوف من بستان الواعظين: التعريف بكتاب سير أعلام النبلاء للذهبي (سلسلة الواعظ عدد ربيع الآخر1437هـ)

2016-01-24

اللجنة العلمية

التعريف بكتاب سير أعلام النبلاء للذهبي

التعريف بكتاب سير أعلام النبلاء للذهبي

الإشادة بالكتاب

يعد من أعظم كتب التراجم التي تناولت كافة العصور إلى عصر المؤلف. وقد ترجم لكثير من الأعلام في مشارق الأرض ومغاربها.

إن هذا الكتاب العظيم الذي ألفه الحافظ الذهبي وختم به حياته لحقيق بالإكبار والإجلال من كل العلماء المنصفين في مختلف مجالات العلم والمعرفة؛ فجزاه الله عن العلم والعلماء أعظم الأجر والثواب.

وحقيق بأمة فيها هذا الحشد الهائل من العلماء، والمؤرخين، والشعراء أن ينظر إليها بعين الإكبار والإجلال. إنها أمة عظيمة أنجبت علماء أضاءوا بعلمهم الطريق للبشرية، فلا جرم أن يكون هؤلاء العلماء مفخرة للعرب والمسلمين في مختلف العصور والدهور.

عدد التراجم التي ترجم لها الذهبي

ـ وقد بلغت عدد التراجم للمترجمين في كتابه "5964" ترجمة. وقد كرر بعض هذه التراجم. وقد ترجم فيه للأعلام منذ بزوغ فجر الإسلام إلى سنة "739هـ".

أفضل طبعات الكتاب

افضل الطبعات هي طبعة مؤسسة الرسالة تحقيق - شعيب وبشار عواد

عدد المجلدات: 29 مجلد، الطبعة الثانية، فهي أرقى الطبعات من حيث التحقيق والطباعة والإخراج

تقسيم تراجم الذهبي إلى طبقات

وقد قسم كتابه إلى خمس وثلاثين طبقة. ولم يسر فيه على نسق واحد، فقد استوعبت الطبقة الأخيرة الخامسة والثلاثون ستة وثمانين عاما. بينما كان متوسط الطبقات بين خمسة عشر وستة

عشر عاما. وبلغت بعض الطبقات تسع سنوات فقط مثل الطبقة السادسة عشرة.

ـ وقد ترجم الذهبي لبعض الملوك والأمراء وإخوتهم وأولادهم وذراريهم في موضع واحد وإن لم يكونوا من نفس طبقاتهم ليجعل القارئ متابعا للأحداث التي عادة ما تكون متصلة.

طبيعة تراجم السير وأسس انتقائها

عرفنا من دراستنا لسيرة الذهبي أنه كان عالما، واسع الاطلاع، غزير المعارف ولا سيما في التراجم، وهو الحقل الذي ألف فيه مجموعة من الكتب وبرع فيه البراعة التي جعلت العلماء يجمعون على أنه "مؤرخ الإسلام"، وألف كتابه العظيم "تاريخ الإسلام" الذي احتوى على قرابة أربعين ألف ترجمة، وبذلك كانت لديه حصيلة ضخمة من التراجم كان عليه أن ينتقي منها ما يراه مناسبا لكتابه " السير "، فهل كانت لديه خطة معينة سار عليها في ذلك؟ والجواب: إن دراستنا للكتاب تبين أنه سار وفق خطة مرسومة في الانتقاء، سواء أكان ذلك في انتقاء التراجم أم في انتقاء المادة المذكورة في كل ترجمة، وقد انطلق في كل ذلك من ميزانه الذي وزن به المترجم من جهة، والأخبار التي تجمعت لديه عنه من جهة أخرى، وهو في كل ذلك إنما يصدر عن مفهومه المعين لفائدة كتاب من مثل سير أعلام النبلاء.

ولعلنا نستطيع فيما يأتي أن نتبين أسس انتقاء التراجم:

1- العلمية: كان الذهبي قد أورد في "تاريخ الإسلام" جميع المشاهير والأعلام، ولم يورد المغمورين والمجهولين، وقد استعمل الذهبي لفظ " الأعلام ليدل على المشهورين جدا بعرفه هو لا بعرف غيره، ذلك أن مفهوم "العلم" يختلف عند مؤلف وآخر استنادا إلى عمق ثقافته.

2- الشمول النوعي: ولم يقتصر الذهبي في سير أعلام النبلاء على نوع معين من الأعلام، بل تنوعت تراجمه فشملت كثيرا من فئات الناس، من الخلفاء، والملوك، والأمراء والسلاطين، والوزراء، والنقباء، والقضاة، والقراء، والمحدثين، والفقهاء، والأدباء، واللغويين، والنحاة، والشعراء، وأرباب الملل والنحل والمتكلمين والفلاسفة، ومجموعة من المعنيين بالعلوم الصرفة.

ومع أن المؤلف قصد أن يكون "السير" شاملا لجميع أعلام الناس، إلا أننا وجدناه يؤثر المحدثين على غيرهم، لذلك جاءت الغالبية العظمى من المترجمين من أهل العناية بالحديث النبوي الشريف رواية ودراية.

3- الشمول المكاني: وقد عمل المؤلف أن يكون كتابه شاملا لتراجم الأعلام من كافة أنحاء العالم الإسلامي من الأندلس غربا إلى أقصى المشرق، وهو شمول قل وجوده في كثير من الكتب العامة التي تناولت تراجم المسلمين.

4- طول التراجم وقصرها: وهذه من الأمور الواضحة لمطالع الكتاب، فقد نجد ترجمة لا تزيد على بضعة أسطر، بينما نجد ترجمة أخرى قد تبلغ صفحات عديدة.

صياغة تراجم سير أعلام النبلاء وعناصرها

تختلف المادة الموجودة في ترجمة ما من تراجم سير أعلام النبلاء عن الأخرى حسب طبيعة المترجم له وقيمته العلمية أو الأدبية أو مكانته السياسية من جهة، وتتوحد في الأسس العامة لمكونات الترجمة من جهة أخرى.

ولا نجد تناقضا في ذلك، فالذهبي يعنى في معظم التراجم بذكر اسم المترجم ونسبه، ولقبه وكنيته ونسبته، ثم مولده أو ما يدل على عمره، ونشأته ودراسته وأخذه عن الشيوخ الذين التقى بهم وروى عنهم، وأفاد منهم، ثم تلامذته الذين أخذوا عنه وانتفعوا يعلمه، وتخرجوا به، وما خلف من آثار علمية أو أدبية أو اجتماعية، ويبين بعد ذلك منزلته العلمية وعقيدته من خلال أقاويل العلماء الثقات فيه جرحا وتعديلا ممن كان وثيق الصلة به، ثم غالبا ما ينهي الترجمة بتحديد تاريخ وفاة المترجم ويدقق في ذلك تدقيقا بارعا.

والمؤلف في الوقت نفسه يذكر في كل ترجمة أمورا متفرقة تتصل بطبيعتها، فهو يعنى مثلا بإيراد أعمال الخلفاء والملوك والأمراء والمتولين في تراجمهم، ويركز عنايته على ما قاموا به من نشر عدل أو بث ظلم أو سفك دماء.

وهو يعنى بإيراد نماذج من شعر الشعراء ومختارات من نثر الأدباء، وأقوال للمتفلسفين وأرباب المقالات بما ينبئ عن حسن عقيدتهم أو سوئها ونحو ذلك.

المنهج النقدي عند الذهبي في السير

وقد اعتنى الذهبي في سير أعلام النبلاء بكل أنواع النقد، فلم يقتصر على مجال واحد من مجالاته، فقد عني بنقد المترجمين، وتبيان أحوالهم، وأصدر أحكاما وتقويمات تاريخية، وانتقد الموارد التي نقل منها، ونبه إلى أوهام مؤلفيها، وبرع في إصدار الأحكام على الأحاديث إسنادا ومتنا، وسحب ذلك على الروايات التاريخية.

1- نقد المترجمين:

يقوم نقد المترجم عند الذهبي عادة على إصدار حكم في الرجل وتبيان حاله جرحا أو تعديلا، وفي مثل هذه الحال قد يكتفي بآرائهم، أو يرد عليها، أو يرجح رأيا منها، وتكون نتيجة التعديل أو التجريح إصدار أحكام بعبارات فنية لها دلالاتها الدقيقة جدا نحو "ثقة" و"صدق"، و"وصويلح"، و"دجال"، و"متروك"، و"كذاب"، و"مجهول"، وما إلى ذلك مما فصله في مقدمة كتابه النفيس "ميزان الاعتدال".

2- نقد الأحاديث والروايات:

أكثر الإمام الذهبي من إيراد الأحاديث النبوية الشريفة في كتبه التاريخية وغيرها، ومنها كتابه "سير أعلام النبلاء". وقد عني دائما بالتعليق على هذه الأحاديث من حيث الإسناد والمتن ما استطاع إلى ذلك سبيلا، قال تلميذه الصلاح الصفدي: "وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده".

وقد انتقد الإمام الذهبي الحافظين: أبا نعيم الأصبهاني والخطيب البغدادي، وذنبهما بروايتهما الموضوعات في كتبهما وسكوتهما عنها.

3 - التعصب والإنصاف في النقد:

كان من منهج الذهبي نقل آراء الموافقين والمخالفين في المترجم ليقدم صورة كاملة عنه، وهو طابع عام في كتابه تجده في كل ترجمة من تراجمه، بينما اقتصر آخرون على إيراد المدائح في كتبهم مثل السبكي "ت: 771 هـ" وغيره.

وقد عرفنا من حياة الذهبي أنه رافق الحنابلة، وتأثر بشيخه ابن تيمية لا سيما في العقائد، فكان شافعي الفروع، حنبلي الأصول، ولذلك عني عند النقد بإيراد العقائد على طريقة أهل الحديث، وعدها جزءا منه كما بينا قبل قليل.

ووجدنا في البيئة الدمشقية في الوقت نفسه من يتعصب للأشاعرة غاية التعصب. وبسبب العقائد انتقد الذهبي من بعض معاصريه لا سيما تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي "728 - 771هـ"، في غير موضع من كتابه "طبقات الشافعية الكبرى"، وفي كتابه الآخر "معيد النعم"، فقال في ترجمته من الطبقات: " كان شيخنا، والحق أحق ما قيل، والصدق أولى ما آثره ذو السبيل شديد الميل إلى آراء الحنابلة، كثير الازدراء بأهل السنة، الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة، فلذلك لا ينصفهم في التراجم، ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنف الراغم. صنف التاريخ الكبير، وما أحسنه لولا تعصب فيه، وأكمله لولا نقص فيه وأي نقص يعتريه".

وقد أثارت انتقادات السبكي هذه نقاشا بين المؤرخين، فرد عليه السخاوي "ت: 902ه، " حيث اتهم السبكي بالتعصب الزائد للأشاعرة، ونقل قول عز الدين الكناني "ت: 819هـ" في السبكي: "هو رجل قليل الأدب، عديم الإنصاف، جاهل بأهل السنة ورتبهم".

وقال يوسف بن عبد الهادي "ت: 909هـ" في معجم الشافعية: "وكلامه هذا في حق الذهبي غير مقبول فإن الذهبي كان أجل من أن يقول ما لا حقيقة له. . . والإنكار عليه أشد من الإنكار على الذهبي لا سيما وهو شيخه وأستاذه فما كان ينبغي له أن يفرط فيه هذا الإفراط".

ومع ذلك فإن هذه القضية جديرة بالدرس لأنها توضح أهمية كتاب الذهبي من جهة، ومنهجه ومدى عدالته في النقد والتحري من جهة أخرى.

عدد المشاهدات 4369