الافتتاحية: الإسلام في قفص الاتهام (سلسلة الواعظ عدد ربيع الأول1437هـ)

2015-11-10

أحمد سليمان

الإســلام في قفص الاتهــام

الإســلام في قفص الاتهــام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وبعد،

فإن كل مصيبة تقع أو تدبر في العالم يشار بأصابع الاتهام في الحال إلى الإسلام، ويقف المسلمون موقف المدافع المتهم على الدوام، فديدن أهل الإجرام إلحاق التهم بالإسلام.

لما نزلت آيات كونية على الفراعنة بسبب كفرهم وعنادهم حملوا بلاءهم على أهل الدين في زمانهم

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ }[الأعراف]

وفي مكة بعد البعثة النبوية يحاسب أهل الإسلام على كل نازلة أصابت الأمة فيقول الله تعالى مخبرًا عن قول المنافقين: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء]

وأصبح الخوف من الإسلام ظاهرة عالمية ولها مصطلح حادث يسمى "الإسلام فوبيا" أي الخوف بلا مبرر من الإسلام، ولو سئل أحدهم هل قرأت عن الإسلام من كتب أهل الإسلام أم استقيت المعرفة به من كتب أعدائه والمحاربين له؟ لكان الجواب واضحًا جليًا أنهم ما تعرفوا على الإسلام إلا من كلام المارقين عنه والمنابذين له،

وليس بمستغرب على دول الكفر حملهم علينا بهذه القسوة فلا خلاف أعظم من اختلاف الكفر مع الإيمان، وقد بين لنا ربنا سبحانه وتعالى بقاء عداوة المشركين لنا وأنهم لن يرضوا عنا حتى نكون مثلهم قال تعالى: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}(البقرة 120 )

وإن أظهروا يومًا مودتهم لنا وحرصهم علينا فهذا خلاف بواطنهم، فهم قد أجمعوا على حرب دين الله تعالى وقتل أوليائه وإن اختلفت مشاربهم وعقائدهم، فالكفر ملة واحدة ولهذا حذرنا سبحانه وتعالى من مودتهم فقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}[الممتحنة 4 ]

واتخاذهم بطانة لنا وأهل مشورة فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }[آل عمران]

ولهذه العداوة الأزلية الباقية فهم يستثمرون أخطاء بعض المسلمين ليهدموا صرح الإسلام من قواعده ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون

وهذا يدعونا إلى معالجة الأخطاء الواقعة من أبناء الأمة والمنتسبين لها، ففي الأمة طوائف خذلت أهل الإسلام وأصبحت معولا يمنع علو الأمة ورفعتها وانتصارها على عدوها، ومنهم لم يفقه فقه التمكين وتغيير المنكرات، وباستقراء مناهج المضللين نرى أنهم يعولون على نقاط الضعف التي ألمت بالأمة ومنها:

1- المنافقون وهم في الأمة كثير لا كثر الله منهم

أبناء جلدتنا لكنهم هجروا وأهل ملتنا لكنهم مرقوا

فهؤلاء يجلسون للمز أهل الإسلام وعيبهم ليل نهار، وكم عانى النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم في المدينة والوا أعداء الله وخذلوا صف المسلمين في الجهاد وطعنوا في الصالحين وصدوا عن سبيل الله ويتصدرون اليوم العديد من المشاهد والمنابر يغيرون بها الحقائق ويغيبون الوعي الصحيح عند المسلمين.

2- أصحاب البدع

وأمة الإسلام قدر لها أن تفترق على فرق عدة زادت على السبعين وكل فرقة منهم تبنت منهجًا مغايرا لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وافترقت الأمة لما افترقت عقائدها، فكل فرقة ذهبت مذهبا بعيدا عن الطريق النبوي فغالت في مسألة علمية أو فرطت بعقيدة تقاتل عليها، فمنهم من غلا في الوعد ومنهم من غلا في الوعيد ومنهم من أهمل نصوص الوحي ومنهم من جعل شيخه مشرعا من دون الله، وظهرت مسميات عدة يوالون عليها وعليها يعادون، فسمعنا بالخوارج والمرجئة والشيعة والرافضة والمعتزلة والقدرية ومن تفرع منهم، هل يتصور بعد هذا الافتراق أن يعين هؤلاء أهل السنة والجماعة على نصرة معتقدهم وقتال عدوهم، بل إن البأس بيننا وبينهم شديد وهذا ما خشي عليه النبي ‘عندما دعا ربه بدعوات، فقال -صلى الله عليه وسلم- " سألت ربي ثلاثا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي: أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". (1)

فكل هذه الفرق الضالة لا تعظم علماء السنة بل يكيدون لهم وربما تآمروا عليهم، ووالوا أعداء الله كما فعل الروافض مع أهل السنة

وأول خارجي ظهر في الأمة لم يرض بحكم النبي -صلى الله عليه وسلم- بل طعن في أمانته فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَقْسِمُ، جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ» قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: " دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّة. "(2)

فهل يرجى من هؤلاء خير فكل هؤلاء مثال يسيء للمسلمين وهم محسوبون علينا فوجودهم بغير إنكار منا عليهم وبراءتنا منهم ذريعة إلى طعن المشركين في ملتنا ولهذا أعلنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ. (3)

3- افتقاد المسئولية العامة

إن المسلم مراقب في أعماله خاصة إن كان من أهل الدعوة والوجاهة ومتربَّص به، فمن شرد منا اختطفته الذئاب الكافرة، لما هُجِر كعب بن مالك راسله ملك الروم ليحتضنه ويعينه ليكون سلاحا ضد الإسلام يقول كعب رضي الله عنه: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا. (4) وكم من شارد احتفظ بها في أدراجه وباع دينه بدريهمات زائلة.

فالمسلم مسئول عن تصرفاته، وأصحاب الدعوة لا بد لهم من فقه الدعوة إلى الله فقد يجر تغيير منكر لم تدرس عواقبه إلى منكر أعظم منه، وهذا يأتي بالسلب على الدعوة وتأخرها عن الامتداد والتوسع، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أسوة حسنة فلعلمه بالعواقب وإحساسه بالمسئولية لما استأذنه بعض أصحابه في قتال المنافقين لما طعن عبد الله بن أبي في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ. (5)

فلم يفرح بقتل منافق لما علم ما سيجره قتل هؤلاء بالسلب على الدعوة

وهذه الأسباب وغيرها كثير يدعونا للثبات على المنهج القويم، ومجانبة طريق الهالكين، والصبر على الدعوة ولا يثنينا تخذيل المرجفين، فالله أذن ببقاء دينه ولن يبقى الدين إلا إذا بقيت طائفة من المؤمنين يجاهدون في الله حتى يأتيهم اليقين وهم منصورون وإن عز الناصر في زمان انعكست فيه الموازين.

والحمد لله رب العالمين وصلى على نبيه قائد الغر الميامين

كتبه

أحمد بن سليمان

---

(1) صحيح مسلم 2890

(2) صحيح البخاري 6933

(3) صحيح البخاري 2697

(4) صحيح البخاري 4418

(5) صحيح البخاري 4905

عدد المشاهدات 2368