التوحيد حق الله تعالى على العبيد - الحلقة الثالثة

2012-10-21

زكريا حسينى

التوحيد حق الله تعالى على العبيد - الحلقة الثالثة

الحمد لله رب العالمين، نحمده حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على خير خلق الله سيد ولد آدم، عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعدُ:

فقد بدأنا الحديث في الحلقة السابقة عن أنواع التوحيد، وانتهينا إلى علو الله تبارك وتعالى على خلقه، ضمن الكلام عن توحيد الأسماء والصفات، وفي هذا العدد نكمل الكلام بمشيئة الله تعالى وتوفيقه:

المعنى الثالث: «علو الفوقية»:

وهذا المعنى ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الملائكة والأنبياء والمرسلين وأتباعهم على الحقيقة من أهل السنة والجماعة، فهو سبحانه فوق عباده مستوٍ على عرشه بائنٌ من خلقه، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم، ويرى حركاتهم وسكناتهم، لا تخفى عليه خافية، والأدلة في ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تُحصى، وأجلّ من أن تُستقصى، والفِطَر السليمة والقلوب المستقيمة مجبولة على الإقرار بذلك لا تنكره؛ فمن ذلك:

1- أسماؤه الحسنى الدالة على جميع معاني العلو تبارك وتعالى؛ كاسمه الأعلى، واسمه العلي، واسمه المتعالي، واسمه الظاهر، واسمه القاهر وغيرها؛ قال الله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، وقال سبحانه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}، وقال تبارك وتعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ}، وقال جل وعلا: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}، وقال جل شأنه: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}.

2- التصريح باستوائه على عرشه سبحانه وتعالى، كما قال جل جلاله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} في سورة الأعراف، وسورة يونس، وسورة الرعد، وسورة الفرقان، وسورة السجدة، وسورة الحديد، فهذه ستة مواضع، والموضع السابع في سورة طه قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. والأحاديث في ذلك والآثار كثيرة.

3- التصريح بالفوقية لله تعالى؛ قال عز من قائل: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}، وقال جل جلاله: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}. وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال: كانت زينب رضي الله عنها تفتخر على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.[البخاري 7420]

4- التصريح بأنه سبحانه في السماء، قال الله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في حديث ذي الخويصرة قال -صلى الله عليه وسلم-: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء». [متفق عليه]، وعن معاوية بن الحكم السلمي في حديث الجارية، قال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة».[مسلم 1227].

5- ومن ذلك الرفع والصعود والعروج إليه، وهو أنواع: منها رفعه عيسى عليه السلام، قال الله تعالى: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}، وقال تبارك وتعالى: {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}. ومنها صعود الأعمال إليه سبحانه، كما قال جل وعلا: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إليه إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه...». إلخ الحديث [البخاري 7430].

ومنها عروج الملائكة والروح إليه، قال تبارك وتعالى: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون». [متفق عليه].

ومن ذلك معراج نبينا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- إلى سدرة المنتهى، وإلى حيث شاء الله تعالى، كما ثبتت به الأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيحين وغيرهما.

6- تنزل الملائكة ونزول الأمر من عنده، وتنزيل الكتاب منه تبارك وتعالى، قال الله تبارك وتعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}، وقال تعالى: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}، وقال سبحانه: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ}، وقال جل وعلا: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ}. إلى غير ذلك من الآيات، والأحاديث في ذلك كثيرة جدًّا.

7- رفع الأيدي إليه والأبصار في الدعاء، كما صح عنه -صلى الله عليه وسلم- في الاستسقاء، ويوم بدر، وفي استغفاره لرفيق أبي موسى وغير ذلك من المواقف.

قال صاحب معارج القبول: وقد ورد في رفع اليدين في الدعاء أكثر من مائة حديث في وقائع متفرقة، وذلك معلوم بالفِطَر، فكل من حزَبه أمر من المؤمنين رفع يديه إلى العلو؛ يدعو الله تعالى.

8- إشارة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى العلو في خطبته في حجة الوداع بأصبعه؛ كما في حديث جابر الطويل عند مسلم، وفيه: « وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟». قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ». ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وذكر الحديث.[مسلم 3009].

النوع الثالث: توحيد الألوهية:

وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له في إلهيته، كما أنه لا شريك له في ربوبيته وأسمائه وصفاته، وقد قسم بعض العلماء التوحيد قسمين اثنين، فجعل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء نوعًا واحدًا، وأطلق عليه توحيد المعرفة والإثبات، وجعل توحيد الألوهية النوع الثاني، وأطلق عليه توحيد القصد والطلب.

قال صاحب معارج القبول: «إن توحيد الإثبات هو أعظم حجة على توحيد الطلب والقصد الذي هو توحيد الإلهية، وبه احتج الله تعالى في كتابه في غير موضع على وجوب إفراده تعالى بالإلهية لتلازم التوحيدين، فإنه لا يكون إلهًا مستحقًا للعبادة إلا من كان خالقًا رازقًا مالكًا متصرفًا مدبرًا لجميع الأمور، حيًّا قيومًا، بصيرًا سميعًا، عليمًا حكيمًا، موصوفًا بكل كمال، منزهًا عن كل نقص، غنيًّا عما سواه، مفتقرًا إليه كل ما عداه، فاعلاً مختارًا، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ولا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا تخفى عليه خافية، وهذه صفات الله عز وجل، لا تنبغي إلا له، ولا يشركه فيها غيره.

فكذلك لا يستحق العبادة إلا هو، ولا تجوز لغيره، فحيث كان منفردًا بالخلق والإنشاء والبدء والإعادة، لا يشركه في ذلك أحد؛ وجب إفراده بالعبادة دون من سواه، لا يُشرك معه في عبادته أحد، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} إلى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21- 22]، وقال تبارك وتعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} إلى قوله تعالى: {يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 3 - 5]. وقال جل وعلا: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} إلى قوله تعالى: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [النحل: 1 - 4]. وقال جل ذكره: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 1 - 4]. وقال سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87].

وغير ذلك من الآيات التي يقرر الله تعالى فيها ربوبيته، ويمتن بنعمه وتفرده بأنواع التصرفات، وعُبَّاد الأوثان يقرون بها لله تعالى، ويقرون بأن أوثانهم التي يدعون من دونه مخلوقة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تغني عنهم شيئًا، ويقرون أن الله هو المنفرد بالخلق والرزق، والضرر والنفع، والتقدير والتدبير، وأنواع التصرفات، ليس إليهم ولا إلى أوثانهم من ذلك شيء، بل هو الخالق وما عداه مخلوق، وهو الرب، وما عداه مربوب، غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء سووهم به في استحقاق العبادة، وأنكروا أن يكون تفرد بها، وقالوا لمن قال لهم قولوا: لا إله إلا الله: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}، فألزمهم الله بما أقروا به من التفرد بالربوبية أن يعملوا بمقتضى ذلك، ويلتزموا لازمه من توحيد الإلهية، وأن يكفروا بما اتخذوا من دونه، كما أقروا بعجزهم وعدم اتصافهم بشيء يستحقون به العبادة، بل هم أقل وأذل وأحقر وأعجز عن أن يخلقوا ذبابًا، أو أن يستنقذوا منه شيئًا سلبه.

ومن تدبر آيات القرآن الكريم كلها حق التدبر علم يقينًا أن عُباد الأوثان مقرون بتوحيد الربوبية وشاهدون بتفرد الله سبحانه وتعالى بذلك، وأنهم إنما أشركوا بالله في الإلهية؛ حيث عبدوا معه غيره، هذا في الظاهر، وإلا فأنواع التوحيد متلازمة، من أشرك غير الله معه في شيء منها فقد أشرك فيما عداه، فمثلاً: من توجه إلى غير الله تعالى مستعينًا به في أمر من الأمور من جلب نفع أو دفع ضر؛ فإنه أشرك في ربوبية الله تعالى؛ حيث اعتقد أن من يدعوه من دون الله تعالى يملك النفع والضر، وأشرك في إلهية الله تعالى؛ حيث توجه إليه بالطلب، وهذه عبادة لا تنبغي إلا لله سبحانه، وكذلك أشرك في أسماء الله تعالى وصفاته؛ لأنه جعل لهذا المدعو من دون الله بعض صفات الله تعالى وهو أنه لا يشغله سمعٌ عن سمعٍ فهو يسمع من يدعوه ويلجأ إليه في وقت واحد، ولو كانوا ذوي عدد كبير، وهذا من صفات ربنا سبحانه، وكذلك أثبت لمن يدعوه القدرة على ما يطلب منه، وهي من صفات رب العالمين وحده لا شريك له.

توحيد الألوهية هو الذي جاءت به الرسل

وتوحيد الإلهية هو الذي أرسل الله به الرسل، من أولهم إلى آخرهم، يدعون إليه قبل كل أمر؛ فلم يدعوا إلى شيء قبله، فهم، وإن اختلفت شرائعهم في تحديد بعض العبادات والحلال والحرام، لم يختلفوا في الأصل الذي هو إفراد الله سبحانه بتلك العبادات افترقت أو اتفقت، لا يُشرك فيها معه غيره، كما قال خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين: «نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد». [متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن اتفاق دعوة رسله إجمالاً وتفصيلاً، فقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]، وهؤلاء هم أولو العزم من الرسل: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وكذا الأمر بالنسبة لبقية الرسل، قال الله تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45]، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وقال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

معنى لا إله إلا الله

معنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله؛ لا إله: نافيًا جميع ما يُعبد من دون الله، فلا يستحق أن يُعبد، فينفي ما عُبد بباطل، وقد سمى المشركون ما عبدوه آلهة، فتسميتهم باطلة، فآلهتهم لا تستحق أن تُعبَد. إلا الله: مثبتًا العبادة لله، فهو الإله الحق المستحق للعبادة، فتقدير خبر لا المحذوف «بحق» هو الذي جاءت به النصوص من الكتاب والسنة كما سيأتي.

وأما تقديره بموجود فيفهم منه الاتحاد، فإن الإله هو المعبود؛ فإذا قيل: لا معبود موجود إلا الله، لزم منه أن كل معبود عُبد بحق أو باطل هو الله، فيكون ما عبده المشركون من الشمس والقمر والنجوم، والأشجار والأحجار والملائكة والأنبياء والأولياء وغير ذلك هي الله، فيكون ذلك كله توحيدًا، فما عُبد على هذا التقدير إلا الله إذ هي هو، وهذا – والعياذ بالله – أعظم الكفر وأقبحه على الإطلاق، وفيه إبطال لرسالات جميع الرسل، وكفر بجميع الكتب، وجحود لجميع الشرائع، وتكذيب بكل ذلك، وتزكية لكل كافر من أن يكون كافرًا؛ إذ كل ما عبده من المخلوقات هو الله؛ فلم يكن عندهم مشركًا بل موحدًا، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا، فإذًا على هذا لا يجوز تقدير الخبر موجود، إلا أن ينعت اسم «لا» بحق؛ فحينئذ لا بأس، ويكون التقدير: لا إله حقًّا موجود إلا الله، فبقيد الاستحقاق ينتفي المحذور الذي ذُكر.

ونصوص القرآن والسنة تبين وتوضح هذا المعنى، قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [لقمان: 30]، وقال سبحانه: {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 21- 23]، وقال جل ذكره: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}... إلى قوله تعالى: {...فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 62 - 64].

شروط لا إله إلا الله

لينتفع من يقول: «لا إله إلا الله» بها في الدنيا والآخرة؛ من الدخول في الإسلام، والفوز بالجنة، استنبط العلماء لذلك سبعة شروط، فمن استكملها ولم ينقض شيئًا منها انتفع بها، ومن نقض شيئًا من هذه الشروط لم ينتفع بمجرد قولها والتلفظ بها، هذه الشروط هي:

1- العلم بمعناها:

أي أن يعلم العبد معناها المراد منها نفيًا وإثباتًا، ولا يجهل ذلك؛ قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} [محمد: 19]، وقال جل جلاله: {إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. وقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.

وعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة».[مسلم 26].

2- اليقين المنافي للشك:

بأن يكون قائلها مستيقنًا بمدلول الشهادة يقينًا جازمًا، فالإيمان لا يكفي فيه إلا علم اليقين، أما الظن والشك فإنه لا يغني عن قائلها شيئًا، قال الله تعالى تبارك وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15]، فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا، أي لم يشكوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين الذين قال الله تبارك وتعالى فيهم: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بها عبدٌ غير شاك فيهما إلا دخل الجنة».[مسلم 27].

وعنه أيضًا رضي الله عنه، في الحديث الطويل، وفيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعثه بنعليه فقال: «من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشِّره بالجنة»[مسلم 31]. فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستقينًا بها غير شاك فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.

3- القبول لما تضمنته:

لقد قص علينا رب العزة تبارك وتعالى من أنباء ما قد سبق من إنجاء من قَبِلَها، وانتقامه ممن ردها وأباها، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47]، وقال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} إلى قوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 22- 36] إلى غير ذلك من الآيات.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا؛ فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي جئت به».[متفق عليه].

4- الانقياد لما دلت عليه:

قال الله تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر: 54]، وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125]، وقال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [لقمان: 22]، وقال المفسرون: يسلم وجهه أي: ينقاد، وهو محسن: موحد، والعروة الوثقى: لا إله إلا الله، ومن لم يسلم وجهه إلى الله ولم يك محسنًا فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى، وهو المعني بقوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 23-24].

5- الصدق:

هو أن يقولها صدقًا من قلبه؛ بأن بواطئ قلبُه لسانَه، قال الله تبارك وتعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3]، وقال جل ذكره: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 8 - 10]. ولقد هتك الله أسرارهم، وأظهر فضائحهم في كثير من المواضع في كتابه العزيز، كما في سور: البقرة، وآل عمران، والنساء، والأنفال، والتوبة وهي سورة كاملة في شأنهم.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار». [متفق عليه].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في قصة الأعرابي وهو ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن بكر؛ لما سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شرائع الإسلام فأخبره، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أفلح إن صدق». وفي رواية: «إن صدق ليدخلن الجنة»[متفق عليه].

فاشترط في فلاحه ودخول الجنة أن يكون صادقًا، كما اشترط في حديث معاذ لإنجاء من قال هذه الكلمة من النار أن يقولها صدقًا من قلبه.

6- الإخلاص:

والمراد به تخليص العمل عن جميع شوائب الشرك، وذلك بصلاح النية، قال ربنا تبارك وتعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 2- 3]، وقال تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11]، وقال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، وقال جل جلاله في مقابل الإخلاص: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 145- 146]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه».[البخاري 99].

وعن عتبان بن مالك رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله عز وجل». [متفق عليه].

فبيَّن الله تعالى وبين رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن الإخلاص في شهادة الحق أساس قولها، فإذا خلت من الإخلاص واقتصر على نطقها باللسان فقط فهو من المنافقين.

7- المحبَّة:

والمقصود بهذا محبة هذه الكلمة، ومحبة ما اقتضته ودلت عليه، ومحبة أهلها العاملين بها، الملتزمين بشروطها، وبغض ما يناقض ذلك، قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165]، وقال جل ثناؤه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54]، فأخبرنا سبحانه وتعالى أن عبادهُ المؤمنين أشد حبًّا له؛ وذلك لأنهم لم يشركوا معه في محبته أحدًا كما فعل مدعو محبته من المشركين الذين اتخذوا من دونه أندادًا يحبونهم كحبه.

وعلامة حب العبد ربه أن يقدم محابه وإن خالفت هواه، وبغض من يبغض ربه وإن مال إليه هواه، وموالاة من والى الله ورسوله، ومعاداة من عاداه، واتباع رسوله -صلى الله عليه وسلم-، واقتفاء أثره، وقبول هداه، قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]، وفي مقابل ذلك قال جل من قائل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} [الجاثية: 23]. إلى غير ذلك من الآيات.

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار». [متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه].

وعن أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».[متفق عليه].

هذا، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ممن يحققون توحيد الله تبارك وتعالى في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، وأن يجعلنا من أهل لا إله إلا الله، القائمين بشروطها، المحققين لمقتضاها العاملين بها، الملتزمين شروطها. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 

روابط ذات صلة

التوحيد حق الله على العبيد – الحلقة الأولى

التوحيد حق الله تعالى على العبيد - الحلقة الثانية

عدد المشاهدات 2753