الخطأ والصواب .. ومنهج العتاب

2011-06-19

صفوت الشوادفى

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد :

فإن الإنسان خلق جاهلاً (  وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ) وخلق ضعيفًا (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) والله عز وجل قد علَّمنا وقوّانا ، وأطعمنا وسقانا ، وآوانا وكفانا ، فله - سبحانه - الحمد والشكر على نعمه وآلائه ، وإحسانه وعطائه.

والإنسان يخطئ ويصيب ؛ وقد علَّمنا القرآن أن نقول في دعائنا ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) وثبت في صحيح مسلم أن الله - سبحانه - قال : قد فعلت !! .

وقد تفضل الله علينا برفع الحرج والإثم عن كل خطأ لا نقصده ، ولا نتعمده ؛ فقال : (  وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُم ) .

والعالم - كغيره - ليس معصومًا من الخطأ ؛ فهو يخطئ ويصيب .

فما هو موقف المسلم من زّلة العالم ، وخطأ الكاتب ؟؟ .

يقول العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله : ( وإذا عثر أحد العلماء ، وغلط  في مسألة علمية ، تعيّن ستر ما صدر منه (تدبر) !! ونصيحته بالتي هي أحسن .

ومن أعظم المحرمات وأشنع المفاسد، إشاعة عثراتهم، والقدح فيهم في غلطاتهم. وأقبح من هذا وأقبح : إهدار محاسنهم عند وجود شيء من ذلك .

وربما يكون - وهو الواقع كثيرًا- أن الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويل سائغ، ولهم اجتهاد هم فيه معذورون، والقادح فيهم غير معذور. 

وبهذا وأشباهه يظهر لك الفرق بين أهل العلم الناصحين، والمُنتسبين للعلم من أهل البغي والحسد والمعتدين.

فإن أهل العلم الحقيقي قصدهم التعاون على البرّ التقوى ؛ والسعي في إعانة بعضهم بعضًا في كل ما عاد إلى هذا الأمر ، وستر عورات المسلمين ، وعدم إشاعة غلطاتهم ، والحرص على تنبيههم ، بكل ما يمكن من الوسائل النافعة ، والذَّبِّ عن أعراض أهل العلم والدين .

ولا ريب أن هذا من أفضل القُرُبات .

ثم لو فرض أن ما أخطأوا [فيه] أو عثروا ليس لهم فيه تأويل ولا عُذر ، لم يكن من الحق والإنصاف أن تهدر المحاسن ، وتمحى حقوقهم الواجبة بهذا الشيء اليسير ، كما هو دأب أهل البغي والعدوان ، فإن هذا ضرره كبير ، وفساده مستطير .

أيّ عالم لم يخطى ؟ وأيّ حكيم لم يعثُر ؟ .

ومقالنا بعدد شوال (الصوفية ليسوا كفارًا) اعترض بعض الإخوة من أنصار السنة على هذا العنوان وبعض كلمات المقال.

وهؤلاء المعترضون ليسوا سواء !! .

فبعضهم قد اعترض بأسلوب علمي شرعي ، وكتب وأرسل استداركًا بلغ الغاية في الأدب وعفة اللسان ، وهذا ما فعله الشيخ العالم أحمد طه نصر حفظه الله ، ولم نتمكن من نشر رده في العدد السابق ، وهو منشور في هذا العدد .

وبعض المعترضين قد اجتمع مع إخوانه ليبين لهم فساد وخطأ المقال في غياب صاحبه ! ثم كتب أحدهم ردًا يذكر فيه أن الصوفية إخوة لنا ويعترض فيه على قولنا: ليسوا كفارًا ؟؟! .

فلما سألته عن هذا الإشكال قال : إنها الأخوة الإنسانية !!.

وقد اعترض أحدهم من وراء حجاب لحاجة في نفسه ! .

ومن الطريف اللطيف أن واحدًا من هؤلاء قد اعترض على عنوان المقال وبسؤاله تبين أنه لم يقرأ المقال ! .

تصحيح … وتوضيح :

أما المقال فمن المناسب أن نذكر هنا ما يزيل اللبس، ويوضح الغامض فنقول:

أولاً : عقيدة أهل السنة أنهم يشهدون بالإسلام لأهل القبلة .

وأهل السنة هم الفرقة الناجية، ومن سواهم من أهل القبلة فهمُ الفرق الضالة على اختلافها .

ثانيًا : كلمة (مسلم) تطلق ويراد بها عدة فئات :

حديث عهد بالإسلام لم يتمكن الإيمان من قلبه ؛ والدليل قوله تعالى : (  قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) .

مؤمن ارتكب كبيرة أو كبائر فإنه يخرج من الإيمان ويبقى في الإسلام؛ والدليل قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر من يشربها حين يشربها  وهو مؤمن …. الحديث ).

مسلم من أهل القبلة، وليس من أهل السنة، أي من الفرق الضالة كما بينا في (أولاً).

وأخيرًا : منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر ، فهو عندنا مسلم وإن كان عند الله من الكافرين بل في الدرك الأسفل من النار؛ وقد دلت على ذلك نصوص القرآن السنة .

ثالثًا : :كان الشافعي تلميذًا ولم يكن في صفوف الشيوخ آنذاك حينما سئل مالك عمن اشترى قمريًا (1) بشرط أن يصيح أبدًا فإذا هو يصيح في بعض اليوم فقال : له الرد (لك أن ترده) فخرج السائل والشافعي ابن خمس عشرة سنة فقال له الشافعي : أيصيح أكثر اليوم أو يسكت أكثر اليوم ؟ فقال : بل يصيح أكثر اليوم فقال له الشافعي : ليس له الرد عليك فدخل السائل على الإمام مالك وقال : انظر في أمري . فقال : ليس لك عندي إلا ما أنبأتك به فقال : إن بالباب من أصحابك من يقول إنه لا يرد عليّ فقال : عليّ به ، فأحضر الشافعي رحمه الله . فقال : أنت تقول إنه ليس له الرد . قال : نعم سمعتك تحدث وذكر الإسناد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لفاطمة القرشية : أبو جهم لا يضع عصاه عن عاتقه ، ومعاوية صعلوك لا مال له . انكحي أسامة فقال : وإيش فيه ما يدل على ما قلت ؟ قال : إنه لا يضع عصاه عن عاتقه . أي كان كثير السفر ويقيم في ما بين ذلك إلا أن الغالب عليه كثرة الضرب في الأرض. فعبر بالغالب عن جميع أحواله توسعًا ولغة العرب كذلك فقلت: إذا كان صياحه أكثر النهار لا يرد لأنه يعبر به عن الجميع فقال له مسلم بن خالد الزنجي: أفت فقد آن لك أن تفتي.. فما أنف مالك رحمه الله أن يرد على هذا التلميذ أو على هذا الطالب مسألته أو أن يمنعه وإنما يقبل منه .. والقصة لا تحتاج إلى مزيد تعليق .

آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

(1) بتشديد الميم : طائر معروف عند العرب .

عدد المشاهدات 2770